عطشا شديدا خاف منه الهلاك على نفسه ، وبحضرته ماء معروض للشرب فلم يشرب حتى هلك عطشا لحكمنا أنه عاجز عن شربه ، غير قادر عليه . وهذا بيّن واضح لا يشكل على عاقل » « 1 » .
ولعلى بعد هذا الذي قدمت لم يبق أمامنا إلا الاعتراف بأنّ التحدي القرآني لبلغاء العرب حقيقة لا تقبل الجدل ، وواقع لا يتسرب إليه الشك .
ب - الحركة اللغوية لتفسير غريب القرآن الكريم :
ومن الحقائق المسلّم بها أن القرآن الكريم لفت أنظار الرواة والعلماء إلى هذه الثروة اللغوية التي اشتمل عليها ، فقاموا بحركة لغوية كبيرة هدفها توثيق الكلمات اللغوية التي نسجت من مادتها النصوص القرآنية ، فاتجهوا إلى الأعراب في البادية يتلقون عنهم اللغة في أساليبها الفصيحة ، ولا غرو في ذلك « فليس في الأرض كلام هو أمتع ولا أنفع ، ولا آنق ، ولا ألذ في الأسماع ولا أشد اتّصالا بالعقول السليمة ، ولا أفتق في اللسان ، ولا أجود تقويما للبيان من طول استماع حديث الأعراب العقلاء الفصحاء » « 2 » .
وقال صاحب ( الموازنة ) : « الأعرابي لا يقول إلا على قريحته ولا يستقى إلا من قلبه » « 3 » .
وإلى جانب هذه الحركة اللغوية التي كان الهدف منها - كما قلت - جمع اللغة لتفسير ألفاظ القرآن الكريم في ضوئها ، وكشف معانيه من خلالها ، قامت حركة أخرى تسير معها جنبا إلى جنب ، وهي الحركة المتمثلة في جمع الشعر العربي ، وبخاصة الشعر الجاهلي ، وقد قمت بدراسة حول هذا الموضوع نشرت في ( مجلة الشعر ) بالقاهرة « 4 » .
وإلى جانب هاتين الحركتين قامت حركة أخرى لجمع ما ورد في القرآن الكريم من لهجات عربية أخرى غير قرشية مع أنّ المعروف عند الباحثين أن القرآن الكريم نزل بلغة
هامش
( 1 ) إعجاز القرآن الكريم للخطابي 20 .
( 2 ) الأعرابيات 36 ، 37 لخليل مردم .
( 3 ) الأعرابيات 37 .
( 4 ) انظر مجلة الشعر التي تصدر في القاهرة العدد 29 - شهر يناير 1983 بعنوان : غريب القرآن الكريم والشعر الجاهلي .