ثم خلص من ذلك إلى الاحتجاج لقراءة أبى عمرو بالاختلاس ، واتفق مع سيبويه وابن مجاهد فقال : « لعل من رواها عن أبي عمرو بالإسكان سمعه يختلس فحسبه لضعف الصوت به والخفاء إسكانا ، وعلى هذا يكون قوله : « ويعلمهم الكتاب ويلعنهم اللّه ، وكذلك عن أسلحتكم ، وأمتعتكم ، ويزكيهم ويعلمهم ، ويوم يجمعكم ، ولا يأمركم » هذا كله على الاختلاس مستقيم ، ومن روى عنه الاسكان - وقد جاء ذلك في الشعر - فلعله ظن الاختلاس إسكانا « 1 » .
وهذا أبو سعيد السيرافى يرى أن نحو « وقد بدا هنك من المئزر » مرفوع تركت ضمته استثقالا « 2 » . وكذلكم قرر ابن جنى في الخصائص أن قراءة أبى عمرو إلى بارئكم بالاختلاس غير ممكن كسرة الهمزة ، « حتى دعا ذلك من لطف عليه تحصيل اللفظ إلى أن ادعى أن أبا عمرو كان يسكن الهمزة ، والذي رواه صاحب الكتاب اختلاس الحركة لا حذفها البتة ، وهو أضبط لهذا الأمر من غيره من القراء الذين رووه ساكنا » ثم يعتذر ابن جنى من موقف القراء ، ولعله يقصد اليزيدي فيقول : « ولم يؤت القوم في ذلك من ضعف أمانة ، لكن أتوا من ضعف دراية « 3 » .
أبعد هذه النصوص الصريحة يدعو الداعون إلى جواز إسكان حركة الاعراب ؟
إن سيبويه لم يرو الإسكان إلا في الشعر ، واحتج أبو علي لهذا الذي روى سيبويه ، فهل تجعل الضرورة الخاصة قاعدة عامة يؤخذ بها في سعة الكلام ؟
إلى أن سيبويه ، وابن مجاهد ، وأبا على ، والسيرافى ، وابن جنى - ويتفق معهم ابن خالويه « 4 » - لا يقولون بالاسكان في إلى بارئكم ونحوه ، ويؤولون ما ورد عن اليزيدي بما رأينا ، فكيف ينسب أصحاب هذه الدعوة إلى سيبويه ، وأبى على ، ومن لف لفهما - ما نسبوا ؟ وكيف يرتبون على ذلك القول بجواز ترك الإعراب ؟ ؟
وبعد : فكم كنت أود لو أن صاحبي قد سبق إلى روح التجديد - كما يقول أصحاب هذه الدعوة - وأن المجددين يجدون في نصوصه دليلا يؤيدون به ما إليه يتجهون .
ولكن النصوص كما رأينا - لا تعين على صحة ما يذهب إليه هؤلاء الداعون « 5 » .
هامش
( 1 ) الحجة : 1 / 366 .
( 2 ) شرح السيرافى على سيبويه : 3 / 649 ، 650 .
( 3 ) الخصائص : 1 / 75 .
( 4 ) انظر الحجة لابن خالويه : ورقة 9 وجه .
( 5 ) أردت أن أبين حقيقة موقف أبي على من هذه الدعوة غير مسترسل في التعرض إلى الدعوة ذاتها بالتفنيد ، أو التأييد ، فليس هنا لشئ من ذلك مجال .