أبى على وشخصيته ، ولكنه معرض مرهق ، وميدان ، يجهد من يطوف به أو يسير فيه :
مرهق بذلك الاستطراد الذي يسلمك من موضوع إلى موضوع حتى ليغيب عنك الموضوع الأصلي الذي عقد من أجله الحديث ، وقد كنت في أغلب الأحيان أود التعرف على حجته لقراءة من القراءات فلا يتيسر لي ذلك إلا بعد عناء ، ومرور بما قال في الآية من مسائل نحوية ، ولغوية ، وصرفية ، وكثير منها لا يتصل إلا اتصالا خفيا من بعيد ، ولولا الاستطراد ما وردت هذه المسائل في مواضعها من الكتاب .
ومجهد بحشده الآراء المختلفة للنحاة الذين سبقوه ، ومناقشة كل رأى مناقشة تقوم على مزج مسائل النحو بمسائل المنطق في عسر ، وإرهاق ، وتعقيد في التعبير .
والقارئ لحجة أبى على لا بد أن يكون متأنيا واعيا ؛ لأن الشيخ يكتب بعقله ، يقايس ويناظر ، ويعلل حتى يثقب الخردل ، ويدلل ، ويستطرد حتى لكأنه يشقق الشعرة ولكل كلمة موضعها ، ولها ميزانها .
وتتخلل كتاب الحجة فلا تجد من كلام الشيخ إلا القليل ، والكثير نقول من كلام اللّه ، والشعراء ، ونصوص من كتب النحاة - وبخاصة - سيبويه - وشواهد نظمها نظما عجيبا ، وقرن بينها في ترابط وتداع ، واستغل كل أولئك فيما هو بصدده من من حديث ، فبدت هذه النقول جميعا - وحدة متماسكة يشد بعضها بعضا ، أو يناظر بعضها بعضا ، أو يتخالف بعضها مع بعض . وهي في تناظرها وتخالفها وتآلفها كالبنيان المرصوص .
فإذا أردت التعليل لنزعة الاستطراد عند أبي على وجدت من أسبابها :
( أولا ) : ما شاع في كتب المشتغلين بالعلم في هذا الزمان الذي عاش فيه أبو علي ، والذي سبقه من لدن الجاحظ ، وابن قتيبة ، إلى أبى حيان التوحيدي المعاصر لأبى على .
ومما لا شك فيه أن كتب الجاحظ كانت شائعة متداولة زمن الفارسي ، ونجد ابن جنى في الخصائص يناقش الجاحظ « 1 » . وهذا عبد اللّه بن حمود أبو محمد الزبيدي
هامش
( 1 ) الخصائص : 1 / 192 ، 197 .