ثالثا - صدق ظاهرة الوحي :
نكتفي في تأكيد هذه الظاهرة ، بالحديث عن جانبين اثنين تنطوي تحتهما جوانب فرعية كثيرة لا مجال هنا للإفاضة فيها ، والخروج بها إلى دائرة دلائل النبوة ، وهي دائرة واسعة كتب فيها الكثير في القديم والحديث :
الجانب الأول - رحابة الموضوعات القرآنية :
إن أدنى مقارنة بين شمول الموضوعات القرآنية وتنوعها ، وبين حياة النبيّ صلى اللّه عليه وسلم قبل البعثة لا تدع مجالا للشك في أن محمدا صلى اللّه عليه وسلم لم يكن إلا واسطة لعلم غيبي مطلق ! ولقد جاءت الآية القرآنية الكريمة تشير إلى هذا الشمول والتنوع بقوله تعالى :
ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ
[ سورة الأنعام ، الآية 38 ] .
وجاءت الآية الأخرى تخاطب النبيّ صلى اللّه عليه وسلم بقوله تعالى :
وَما كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذاً لَارْتابَ الْمُبْطِلُونَ
( 48 ) [ سورة العنكبوت ، الآية 48 ] .
وتأمره الآية الثالثة أن يقول :
قُلْ لَوْ شاءَ اللَّهُ ما تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلا أَدْراكُمْ بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُراً مِنْ قَبْلِهِ أَ فَلا تَعْقِلُونَ
( 16 ) [ سورة يونس ، الآية 16 ] .
إن جميع معارف عصر نزول القرآن - لا معارف النبيّ صلى اللّه عليه وسلم ومعارف بيئته - ومعارف عصور لا حقة لا تمثل شيئا من شمول المعارف القرآنية وتنوعها وعمقها .
بل تصحيحها وتقويمها لتلك المعارف الإنسانية حتى ما كان منها سابقا لعصر نزول القرآن ! فإن لم يكن هذا وحيا فأيّ شيء يكون ؟
يقول الأستاذ مالك بن نبيّ - رحمه اللّه - :
« إن العبقرية الإنسانية تحمل بالضرورة طابع الأرض حيث يخضع كل شيء لقانون الزمان والمكان ! بينما يتخطى القرآن دائما نطاق هذا القانون ليشير من خلال رحابة موضوعاته إلى أن الذات المحمدية لم تكن إلا واسطة لعلم غيبي مطلق » !