سنان في تعريف الأسجاع إنها « حروف متماثلة في مقاطع الفواصل » قال : « وأظن أن الذي دعاهم إلى تسمية كل ما في القرآن فواصل ، ولم يسمّوا ما تماثلت حروفه سجعا : رغبتهم في تنزيه القرآن عن الوصف اللاحق بغيره من الكلام المرويّ عن الكهنة وغيرهم ! » .
ونحن لا نرى مانعا من تسمية ما تماثلت حروفه سجعا على كل حال .
وإذا كانت الفاصلة في الآية كالقافية في الشعر ، فقد رأينا كذلك بعض ما تختلف فيه الفاصلة عن القافية ؛ حينما تتقارب الفواصل ولا تتماثل . ولكن القوافي في واقع الأمر فواصل لأنها تفصل آخر الكلام ، وخصت فواصل الشعر باسم القوافي لأن الشاعر يقفوها ، أي يتّبعها في شعره لا يخرج عنها . قال الزركشي :
« ويمتنع استعمال القافية في كلام اللّه تعالى لأن الشرع لما سلب عنه اسم الشعر وجب سلب القافية عنه لأنها منه ، وخاصة به في الاصطلاح . وكما يمتنع استعمال القافية في القرآن ؛ لا تطلق الفاصلة في الشعر لأنها صفة لكتاب اللّه لا تتعداه » « 1 » .
والأمر البلاغي ، أو النقدي ، الذي تفترق فيه الفاصلة القرآنية من القافية الشعرية أن من المعيب في الشعر أن تتكرر القافية قبل سبعة أبيات ، وليس ذلك بعيب في الفاصلة ؛ اقرأ إن شئت قوله تعالى في آخر سورة مريم :
وَقالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمنُ وَلَداً ( 88 ) لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئاً إِدًّا ( 89 ) تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبالُ هَدًّا ( 90 ) أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمنِ وَلَداً ( 91 ) وَما يَنْبَغِي لِلرَّحْمنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَداً ( 92 ) إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمنِ عَبْداً ( 93 ) لَقَدْ أَحْصاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا ( 94 ) وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيامَةِ فَرْداً
( 95 ) [ سورة مريم ، الآيات 88 - 95 ] وانظر الآيات الثلاث المتبقية من السورة الكريمة .
ولكن يجب البحث عن سرّ هذا التكرار في سياق الآيات ذاتها التي تكررت
هامش
( 1 ) البرهان 1 / 58 .