تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مدخل إلى تفسير القرآن وعلومه — صفحة 168

مساهمون:

ص١٦٨
نوديت الأرض وكان النداء ب « يا » ، ثم بإضافة الكاف إلى الماء ، ثم بنداء السماء وأمرها بما يخصها ، ثم بمجيء الفعل « غيض » على صيغة « فعل » الدالة على أنه لم يغض إلا بأمر آمر ، ثم تأكيد ذلك بقوله :
وَقُضِيَ الْأَمْرُ
، ثم ذكر ما هو فائدة هذه الأمور وهو :
وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ
ثم مقابلة « قيل » في الخاتمة ب « قيل » في الفاتحة : أجل ، جعل الجرجاني ما سماه بمبدإ العظمة فيما أسلف من القول . وعلى قياسه نستطيع أن نقول : وقيل يا أرض اشربي ماءك ويا سماء امنعي ، وأزيل الماء ونفّذ الأمر واستقرت على الجودي وقيل هلاكا للقوم الظالمين . فيتحقق بذلك كل ما جعله الجرجاني مبدأ العظمة وحده ، ويوازي القول دون نقص » . ولكن مهلا ، فإن اختيار لفظ البلع دون الشرب ، وكلمة اقلعي دون امنعي ، وفعل قضي المبني للمجهول ، دون « نفذ » المبني للمجهول أيضا ، واستوت على الجودي ، دون استقرت . كلّ ذلك مما يرتفع بالآية إلى الإعجاز ، وهو في صميمه راجع فيما يرجع إليه إلى اللفظ دون الإسناد . « وما نقوله في ذلك نقوله في المقاطع والفواصل ، وإن شئت فانظر مثلا قول اللّه عزّ وجلّ :
ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً ( 11 ) وَجَعَلْتُ لَهُ مالًا مَمْدُوداً ( 12 ) وَبَنِينَ شُهُوداً ( 13 ) وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيداً ( 14 ) ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ
( 15 ) [ سورة المدثّر ، الآيات 11 - 15 ] وحاول أن تقرأه على هذه الصورة : « ذرني ومن خلقت وحيدا ، وجعلت به مالا مبسوطا ، وبنين حاضرين ، ومهدت له تمهيدا ، ثم يطمع أن أكثر » فإنك إذا فعلت ذلك لم تخرج عن قضية النظم النحوي كما عناه عبد القاهر ، ولكنك تغفل أثر المقطع والفاصلة ، فتهبط بالكلام من مستوى إلى مستوى ، وذلك ما كان ينبغي أن يلتفت إليه هذا الدارس الحصيف ، وما أحراه أن يدخل اختيار اللفظ وجمال المقطع في ترتيب النظم بحيلة فكرية كما أدخل الاستعارة من قبل » « 1 » .
هامش
( 1 ) البيان القرآني ص 64 .
مدخل إلى تفسير القرآن وعلومه — صفحة 168 | عدنان زرزور