لا يضرّك أيّة قرأت قبل ، وقد كان النبيّ صلى اللّه عليه وسلم يقرأ في الصلاة السورة في ركعة ، ثم يقرأ في ركعة أخرى بغير السورة التي تليها » .
ويضيف أبو الحسن قائلا : « وأما ما روي عن ابن مسعود وابن عمر أنهما كرها أن يقرأ القرآن منكوسا ، وقالا : ذلك منكوس القلب ! فإنما عنيا بذلك من يقرأ السورة - الواحدة - منكوسة ، ويبتدئ من آخرها إلى أولها ، لأن ذلك حرام محظور . . . وفيه إفساد للسورة ومخالفة لما قصد بها » « 1 » .
أما ترتيب سور القرآن بحسب النزول ، لا للتدوين في المصاحف ، ولكن في كتب التفسير ، أو بغرض التفسير فقد ذهب إلى جوازه بعض العلماء . وإن كنا نرى أنه غير مستساغ لأن فيه خدشا « لصورة » الإجماع السابق ، وقد لا يكون كذلك ممكنا بغير قدر من التجاوز ، لأن السورة من القرآن لم تكن تنزل دائما مرة واحدة ، أو لم تكن تنزل آية أو آيات من سورة ثانية إلا بعد أن يكتمل بناء السورة السابقة ، فالترتيب بحسب النزول لا يمكن وصفه بالدقة . . إلى جانب ما فيه من تضخيم مرحليّة البناء ، وتضييق ساحة النص القرآني الذي أراد اللّه تعالى له أن يكون عاما شاملا ، يعين تنجيمه وأسباب نزوله على مزيد من الفهم ، لا على الانغلاق في حدود البيئة أو الزمان ، ولهذا فإننا نكره العبارات القائلة : المكّي ما وقع خطابا لأهل مكة ، والمدني : ما وقع خطابا لأهل المدينة . . . ونحو ذلك من العبارات والمواقف التي ملئت بها كتب التفسير ! ! ولعل هذا أن يكون أحد الأسباب الحاسمة في ترجيح رأي من يقول إن ترتيب السور جميعها كان بتوقيف . حيث تعاقبت السور المكية والمدنية في المصحف . أو تبادلت هذا التعاقب ، بل الذي بدئ فيه بأربع سور مدنية طوال تتألف من قرابة ثمانمائة آية . . لم يتقدمها من الآيات المكية سوى سورة الفاتحة ، التي تمثل خلاصة العهد المكي ، وتتألف من سبع آيات قصار ، واللّه تعالى أعلم .
هامش
( 1 ) القرطبي 1 / 61 .