تفصل بينهما مسافة مذهلة من الأحداث الكونية ، بل مرحلتان قد تشكلان شبه بداية ونهاية لهذا المخلوق العظيم . وفي تصوري ان القرآن يعتمد مثل هذا الأسلوب من أجل أن يولد الدهشة في الذهن الانساني ، ولأن الدهشة تولد مجموعة كبيرة من الأسئلة ، ولولا الدهشة لما نشأ العلم ولما تطورت جهود الانسان الفكرية ، ولذلك ليس غريبا أن يقرن هذه المعادلة ( من التراب إلى الانتشار ) بالآية الدالة على وجود اللّه وعلى حكمته وقدرته وعظمته . ومثل هذه النقلة تخلق في ذهن الانسان منظومة من الأسئلة ، تبدأ ب « كيف » وب « كم » وب « لما ذا » ، أي تهيئ ظرفا علميا غنيا بالحركة والتطلع ، وعلى غرار ذلك قوله تعالى
فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسانُ مِمَّ خُلِقَ . .
، وعمليات التفصيل توحي بأن حركة العلم مفتوحة ، ليس لها سقف محدود ، وهي أدعى إلى اكتشاف قوانين هذه الحركة والإحاطة بأسرارها ومغازيها ، وقد يردها القرآن للاطلالة على علم اللّه الواسع ، وللاستدلال على إلهية القرآن أو لألجام المعاند على صدق دعاواه .
نموذج رقم ( 2 )
أَ وَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ كانَتا رَتْقاً فَفَتَقْناهُما وَجَعَلْنا مِنَ الْماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَ فَلا يُؤْمِنُونَ
« 1 » .
جاء في الميزان
وَجَعَلْنا مِنَ الْماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ
ظاهر السياق ان الجعل بمعنى الخلق و « كل شيء حي » مفعوله ، والمراد ان للماء دخلا تاما في وجود ذوي الحياة . . . ) ج 14 ص 279 .
هذا الاجمال نجده مفصلا في قوله تعالى :
هامش
( 1 ) الأنبياء / 30 .