تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مباحث في علوم القرآن — صفحة 357

مساهمون:

ص٣٥٧

التفسير الإشاري

ومن هؤلاء المتصوفة من يدعي أن الرياضة الروحية التي يأخذ بها الصوفي نفسه تصل إلى درجة ينكشف له فيها ما وراء العبارات القرآنية من إشارات قدسية ، وتنهل على قلبه من سحب الغيب ما تحمله الآيات من المعارف السبحانية ، ويسمى هذا بالتفسير الإشاري ، فللآية ظاهر وباطن ، والظاهر : هو الذي ينساق إليه الذهن قبل غيره ، والباطن هو : ما وراء ذلك من إشارات خفية تظهر لأرباب السلوك وهذا التفسير الإشاري كذلك إذا أوغل في الإشارات الخفية صار ضربا من التجهيل ، ولكنه إذا كان استنباطا حسنا يوافق مقتضى ظاهر العربية وكان له شاهد يشهد لصحته من غير معارض ، فإنه يكون مقبولا . ومن ذلك ما روي عن ابن عباس رضي اللّه عنهما أنه قال : « كان عمر يدخلني مع أشياخ بدر ، فكأن بعضهم وجد في نفسه فقال : لم تدخل هذا معنا ولنا أبناء مثله ؟ فقال عمر : إنه من حيث علمتم ، فدعاه ذات يوم فأدخله معهم . فما رئيت أنه دعاني يومئذ إلا ليريهم ، قال : ما تقولون في قوله تعالى
( إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ )
فقال بعضهم : أمرنا أن نحمد اللّه ونستغفره إذا نصرنا وفتح علينا ، وسكت بعضهم فلم يقل شيئا » فقال لي : أكذلك تقول يا ابن عباس ، فقلت : لا ، قال : فما تقول ؟ قلت : هو أجل رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أعلمه له ، قال :
إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ
، وذلك علامة أجلك ، فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توابا ، فقال عمر : ما أعلم منها إلا ما تقول » « 1 » . قال ابن القيم : « وتفسير الناس يدور على ثلاثة أصول : تفسير على اللفظ ، وهو الذي ينحو إليه المتأخرون ، وتفسير على المعنى : وهو الذي يذكره السلف ، وتفسير على الإشارة : وهو الذي ينحو إليه كثير من الصوفية وغيرهم ، وهذا لا بأس به بأربعة شروط : - 1 - ألّا يناقض معنى الآية - 2 - وأن يكون
هامش
( 1 ) أخرجه البخاري