بخلاف الشعر . وما توهموا أنه سجع باطل « 1 » . لأن مجيئه على صورته لا يقتضي كونه هو ، لأن السجع من الكلام يتبع المعنى فيه اللفظ الذي يؤدي بالسجع ، وليس كذلك ما اتفق مما هو في معنى السجع من القرآن ، لأن اللفظ وقع فيه تابعا للمعنى ، وفرق بين أن ينتظم الكلام في نفسه بألفاظه التي تؤدي المعنى المقصود فيه ، وبين أن يكون المعنى منتظما دون اللفظ » « 2 » .
والذي أراه أنه إذا كان المراد بالسجع مراعاة موالاة الكلام على وزن واحد دون مراعاة المعنى فإن هذا تكلف ممقوت في كلام الناس فضلا عن كلام اللّه . أما إذا روعيت المعاني وجاء الاتفاق في الوزن تابعا لها دون تكلف فهذا ضرب من ضروب البلاغة ، قد يأتي في القرآن كما يأتي في غيره . وإذا سمينا هذا في القرآن بالفواصل دون السجع فذلك لتلافي إطلاق السجع على القرآن بالمعنى الأول .
والفواصل في القرآن الكريم أنواع :
ا - فمنها الفواصل المتماثلة كقوله تعالى :
( وَالطُّورِ ، وَكِتابٍ مَسْطُورٍ ، فِي رَقٍّ مَنْشُورٍ ، وَالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ
، 1 - 4 - الطور ) وقوله تعالى
( وَالْفَجْرِ ، وَلَيالٍ عَشْرٍ ، وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ ، وَاللَّيْلِ إِذا يَسْرِ
1 - 4 - الفجر ) وقوله تعالى
( فَلا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ ، الْجَوارِ الْكُنَّسِ ، وَاللَّيْلِ إِذا عَسْعَسَ ، وَالصُّبْحِ إِذا تَنَفَّسَ
15 - 18 - التكوير ) ب - ومنها الفواصل المتقاربة في الحروف ، كقوله تعالى
( الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ ، مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ
3 ، 4 - الفاتحة ) للتقارب بين الميم والنون في المقطع ، وقوله
( ق ، وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ ، بَلْ عَجِبُوا أَنْ جاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ فَقالَ الْكافِرُونَ هذا شَيْءٌ عَجِيبٌ
1 - 3 - ق )
هامش
( 1 ) أقوى ما استدل به الذين يثبتون السجع في القرآن أن موسى أفضل من هارون ، ولما كان السجع بالألف اللينة . قيل في موضع( قالُوا آمَنَّا بِرَبِّ هارُونَ وَمُوسى70 - طه ) ولما كانت الفواصل في موضع آخر بالواو والنون قيل( رَبِّ مُوسى وَهارُونَ48 - الشعراء ) وأجيب بأن التقديم والتأخير لإعادة القصة الواحدة بألفاظ مختلفة تؤدي معنى واحدا ، وليس للسجع .
( 2 ) « البرهان » للزركشي صفحة 58 ج 1 .