تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مباحث في إعجاز القرآن — صفحة 129

مساهمون:

ص١٢٩
لما يجد في نفسه من القوة وما يأمل من طول المدة فقال محتاطا
وَأَصابَهُ الْكِبَرُ
. ثم علم سبحانه وتعالى أنه إذا كان عقيما مع الكبر سلّاه عنها قرب المدة وعدم من يهتم بضياعه بعده فلا يشتدّ أسفه عليها ، فقال عزّ وجلّ محتاطا أيضا :
وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ
. ثم علم أنه إذا لم يصف الذرية بالضعف احتمل الإطلاق أن يكونوا أقوياء ، فيترجى إخلافهم لها ، فيخفض ذلك من أسفه فقال محتاطا :
ضُعَفاءُ
. ثم لما فرغ من وصف الجنة أخذ في وصف الحادث المهلك لها بقوله عزّ وجلّ :
فَأَصابَها إِعْصارٌ
. وعلم تبارك اسمه أن الإعصار لا يعجل فساد هذه الجنة ، ولا يحصل هلاكها به إلا بعد استمراره عليها في مدة طويلة ، وهو يريد الإخبار بتعجيل هلاكها فقال :
فِيهِ نارٌ
. ثم اقتصر سبحانه وتعالى من الرياح على الإعصار لكونه عبارة عن تقابل الرياح المثيرة للعجاج الكثيف الذي يعمي دوامه عيون الماء ، ويطم الآبار والأنهار ، ويحرق بسمومه ورهجه الأشجار ، وإذا اتفق مع ذلك أن تكون فيه نار أدارها على المكان الذي يكون فيه بحيث لا ينصرف عنه ، لأنه لا يقصد وجهة مقابلة فينصرف ما يكون فيه إليها . ثم علم اللّه سبحانه وتعالى أن النار يحتمل أن تكون ضعيفة فتطفأ لضعفها عن مقاومة ما في الجنة من الأنهار ، ورطوبة الأشجار ، فاحتاط لذلك بقوله :
فَاحْتَرَقَتْ
فنفى هذا الاحتمال ، وأوجز تتميم المعنى المراد . وهكذا نجد أن الآية الكريمة قد تضمنت من الدقائق واللطائف ما يبرز الغرض المقصود من سوق المثل وهو إبراز عظيم أسف صاحب الجنة وتحسره على ما فاته منها ، في حالة كان بأمس الحاجة إلى نتاجها وخيراتها . وكذلك المرائي بصدقته الذي ينفقها رئاء الناس ولا يؤمن باللّه واليوم الآخر ، فإنه سيفقد هذا الثواب في وقت هو بأمس الحاجة إلى ما يثقل ميزان حسناته .

3 - من الفنون البلاغية : التشبيه :

قال تعالى :
إِنَّما مَثَلُ الْحَياةِ الدُّنْيا كَماءٍ أَنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ
مباحث في إعجاز القرآن — صفحة 129 | مصطفى مسلم