ثلاثين جزءا لتتلاءم مع عدد أيام شهر رمضان » ، ولقد كان ريجي بلاشير أكثر حصافة ، وأدق حكما ، حينما قال :
« وقد قسم القرآن فيما بعد لمجرد الباعث العملي ، وتسهيلا لتلاوته بمناسبة الاحتفالات الدينية ، إلى ثلاثين جزءا لا علاقة بينها وبين التقسيم إلى سور » .
وإذا كنا نأخذ على الكاتب ما توهمه من صلة بين تقسيم القرآن إلى ثلاثين جزءا وبين المناسبات الدينية التي يعني بها في أغلب الظن شهر رمضان ، كما جاء في دائرة المعارف ، إلا أنه أشار إلى أن هذا التقسيم كان متأخرا ، وذلك ما تشير إليه كلمة : « فيما بعد » .
أما ما جاء في دائرة المعارف فقد كان بعيدا عن الحقيقة وعن الدقة والموضوعية ، فتقسيم القرآن إلى ثلاثين جزءا كان إجراء متأخرا كثيرا عن نزول القرآن وفرضية رمضان ونافلة التراويح فيه ، كان كل ذلك في عهد الرسول عليه وآله الصلاة والسلام ، ولا ريب أن المسلمين كانوا يحفظون القرآن ، ولا يجدون في ذلك صعوبة ولا عسرا قبل أن يجزّأ القرآن إلى أجزاء ، وكانوا لا ريب كذلك يصلون التراويح ، وهي النافلة الرمضانية ، قبل أن يجزّأ القرآن كذلك .
إن ربط التجزئة بشهر رمضان - كما تقول دائرة المعارف - أو بالمواسم الدينية - كما يقول بلاشير - بعيد كل البعد عن رتبة الحقيقة وعن مجال المنطق والتطبيق العملي ، بل عن الروح لهذا الدين كذلك ، فالشكلية لم تكن في يوم ما من جوهر هذا الدين ولبه وأساسه ، إن قضية التجزئة والتقسيم إلى أجزاء وأحزاب وأرباع وغير ذلك من المصطلحات كانت عملا متأخرا حتى عن شكل القرآن وتنقيطه ، ثم إنه لا يوجد نص ما من كتاب وسنّة يحث المسلمين على قراءة جزء معين ، أو كمية معينة في رمضان أو في غيره ، وإنما تترك مثل هذه الأمور لظرف القارئ وظروف المصلين ، ولا نود أن نطيل في هذه القضية ، فالأمر فيها أيسر من أن نحتاج فيه إلى شرح وتفصيل .
قضايا قرآنية في الموسوعة البريطانية ( نقد مطاعن ، ورد شبهات ) — صفحة 34
مساهمون: فضل حسن عباس
ص٣٤