وتعين على نوائب الحق » « 1 » ، ولقد كان هرقل ذكيا كل الذكاء حينما سأل تجار مكة وهم في بلاد الشام ، ولم يكونوا من المؤمنين به ، حينما سألهم عن أخلاقه ، فما استطاعوا أن يجدوا مطعنا ، فاستنتج من ذلك بفكره الحصيف هذه النتيجة « ما كان ليدع الكذب على الناس ويكذب على اللّه » .
ثم إن التأملات الشخصية لا تطلع صاحبها على أخبار الماضي وقضايا المستقبل ، إن هذا الافتراض يصعب على عاقل أن يتصوره .
ثم إن هناك شيئا آخر يجمل أن نشير إليه وهو أننا حينما نتدبر القرآن نجد أمرا هو من الأهمية بمكان في ردّ هذا الافتراض ، وهو ما نجده في القرآن من تصحيح لأحكام كثيرة ، أو عتاب على حوادث وقعت من الرسول الكريم صلّى اللّه عليه وسلّم نجد هذا مثلا في قصة المجادلة - وقد مرت معنا من قبل - كما نجدها في إذنه للمنافقين « 2 » ، وفي صلاته عليهم « 3 » وفي موقفه من أسرى بدر « 4 » وفي تحريمه بعض الأطعمة على نفسه :
يا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ ما أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضاتَ أَزْواجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ
[ التحريم : 1 ] .
هذا كله في المدينة ، أما في مكة فنجد مثل ذلك في قصة ابن أم كلثوم :
عَبَسَ وَتَوَلَّى ( 1 ) أَنْ جاءَهُ الْأَعْمى
( 2 ) [ عبس : 1 - 2 ] ، وفي مثل قوله سبحانه :
وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ
[ الأنعام : 52 ] ، وفي قوله :
وَإِنْ كادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ
[ الإسراء : 73 ] ،
وَلَوْ لا أَنْ ثَبَّتْناكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلًا ( 74 ) إِذاً لَأَذَقْناكَ ضِعْفَ الْحَياةِ وَضِعْفَ الْمَماتِ
[ الإسراء : 74 - 75 ] .
هامش
( 1 ) رواه البخاري كتاب بدء الوحي ، باب كيف كان بدء الوحي على النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ( 1 : 3 ) .
( 2 ) في قوله تعالى :عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ[ التوبة : 43 ] .
( 3 ) قوله تعالى :وَلا تُصَلِّ عَلى أَحَدٍ مِنْهُمْ ماتَ أَبَداً وَلا تَقُمْ عَلى قَبْرِهِ . . .[ التوبة : 84 ] .
( 4 ) قوله تعالى :ما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ . . .[ الأنفال : 67 ] .