ولم يكتف خصومهم بهذا ، بل أرادوا أن يتبعوهم إلى البلد الذي هاجروا إليه ليقتلعوا جذورهم هناك ، متعاونين هم واليهود في المدينة ، أكان من الواجب يا ترى أم من المنطق أن يرفع المسلمون أيديهم بالرايات البيضاء ، وأن يسمحوا للغزاة أن يبقروا بطون النساء ، فإن لم يفعلوا ذلك كانوا إرهابيين ، تروقهم إراقة الدماء ؟ !
والغريب الذي يستحق العجب أن الذي ينكرونه على الإسلام هو الجهاد ، مع أن الجهاد في الإسلام لم يكن فيه تعسف ، ولم يكن ليحرم أصحابهم من حقوقهم في بلادهم ، ولم يكن ليسرق خيراتهم ، أقول : إن الذين ينكرون على الإسلام هذا يعطون أنفسهم ومواطنيهم الحق باستعمار الشعوب ، واستعباد الناس لأسباب جغرافية وغير جغرافية ، ولعله ليس بعيدا ذلك اليوم الذي يستيقظ فيه الضمير العربي ليدرك أولئك أن الدم الذي يسري في عروقهم ، ويجري في أبدانهم ، وأن لحم أجسامهم إنما نبت أكثر ما نبت من خيرات البلاد المستضعفة المستعمرة ، ومن عرق هذه الشعوب الكادحة .
إن الجهاد في الإسلام ضرورة ملحة ، وأنا لا أريد أن أعرض لقضية طالما بحثها الكثيرون ، فسواء كان الجهاد دفاعيا أم غير دفاعي ؛ فإنه شرع للدفاع عن النفس والعقيدة ، لذلك أحب المسلمون هذا الجهاد ، ولم يتقاعس إلا أولئك المنافقون الذين لم تخالط بشاشة الإيمان قلوبهم « 1 » .
يقول أحمد شوقي « 2 » :
قالوا غزوت ورسل اللّه ما بعثوا * لقتل نفس ولا جاءوا لسفك دم
جهل ، وتضليل أحلام ، وسفسطة * فتحت بالسيف بعد الفتح بالقلم
هامش
( 1 ) ولقد أشرنا لهذه القضية في التمهيد الذي عرضنا فيه لوثيقة الفاتيكان .
( 2 ) « الشوقيات » ( 1 : 201 ) .