لفشو اللحن في اللسان ، واختلاط العربية بغيرها ، الأمر الذي جعل الناس أكثر حاجة للبيان والتفسير من العهود السابقة ، وهكذا نجد التفسير يتضخم شيئا فشيئا ويزاد فيه من علوم العربية وغيرها ما يتوقف عليه فهم الكلام ، وذلك نظرا لحاجة الناس إلى كل ذلك . ومن ثمّ فلا يمكننا أن نعتبر ما انتهى إليه التفسير من مجلدات ضخمة وموسوعات كبيرة دليلا على كثرة علم المتأخرين بالنسبة لما عرف من عهد الصحابة والتابعين ، وإنما نعتبره دليلا على كثرة الجهل الذي نزل بالناس مما اقتضى كل هذا الشرح والتفصيل من قبل المفسرين .
هذه لمحة سريعة عن نشوء علم التفسير وتطوره خلال العصور ، ولا بد لنا أن نفصل هذا الموجز شيئا من التفصيل ، ونقف عند أهم معالمه وملامحه :
المرحلة الأولى : التفسير في عهد النبي صلّى اللّه عليه وسلم :
يرى ابن تيمية أن النبي صلّى اللّه عليه وسلم قد بيّن لأصحابه معاني القرآن ، كما بيّن لهم ألفاظه ، فقوله تعالى :
لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ ( 44 )
[ النحل ] . يتناول هذا وهذا . كذلك كان الصحابة إذا تعلموا من النبي صلّى اللّه عليه وسلم عشر آيات لم يجاوزوها حتى يتعلموا ما فيها من العلم والعمل ، قالوا : فتعلّمنا القرآن والعلم والعمل جميعا . . . كذلك قال اللّه تعالى :
كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ مُبارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آياتِهِ ( 29 )
[ ص ] ، وقال :
أَ فَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ ( 24 )
[ محمد ] .
وقال :
أَ فَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ ( 68 )
[ المؤمنون ] وتدبّر الكلام بدون فهم معانيه لا يمكن . وكذلك قوله تعالى :
إِنَّا أَنْزَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ( 2 )
[ يوسف ] . وعقل الكلام متضمن لفهمه ، ومن المعلوم أن كل كلام