يَوْمَ يَأْتِي
إلى آخر الآية . وانما ذلك مجىء ما أخبر به القرآن بوقوعه من القيامة وأشراطها ، كالدابة ويأجوج ومأجوج ، وطلوع الشمس من مغربها ، ومجىء ربك والملك صفا صفا ، وما في الآخرة من الصحف والموازين ، والجنة والنار وأنواع النعيم والعذاب وغير ذلك ، فحينئذ يقولون :
قَدْ جاءَتْ رُسُلُ رَبِّنا بِالْحَقِّ ، فَهَلْ لَنا مِنْ شُفَعاءَ فَيَشْفَعُوا لَنا أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ
« 1 » .
وهذا القدر الذي أخبر به القرآن من هذه الأمور لا يعلم وقته وقدره وصفته الّا اللّه ، فان اللّه يقول :
فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ
« 2 » ، ويقول : « أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر « 3 » » وقال ابن عباس :
ليس في الدّنيا مما في الجنة الا الأسماء ، فان اللّه قد أخبر أن في الجنة خمرا ولبنا وماء وحريرا وذهبا وفضة وغير ذلك ، ونحن نعلم قطعا أن تلك الحقيقة ليست مماثلة لهذه ، بل بينهما تباين عظيم مع التشابه ، كما في قوله :
وَأُتُوا بِهِ مُتَشابِهاً
« 4 » ، على أحد القولين :
أن يشبه ما في الدنيا وليس مثله . فأشبه اسم تلك الحقائق أسماء هذه الحقائق ، كما أشبهت الحقائق الحقائق من بعض الوجوه . فنحن نعلمها إذا خوطبنا بتلك الأسماء من جهة القدر المشترك بينهما ، ولكن لتلك الحقائق خاصية لا ندركها في الدنيا ولا سبيل إلى إدراكنا لها لعدم إدراك عينها أو نظيرها من كل وجه . وتلك الحقائق - على ما هي عليه - هي تأويل ما أخبر اللّه به . وهذا فيه رد على اليهود والنصارى والصابئين من المتفلسفة وغيرهم . فإنهم ينكرون ان يكون في الجنة اكل وشرب ولباس ونكاح ، ويمنعون وجود ما اخبر به القرآن .
ومن دخل في الاسلام ونافق المؤمنين فأول ذلك على أن هذه أمثال مضروبة لتفهيم النعيم الروحاني ، إن كان من المتفلسفة الصابئة المنكرة لحشر الأجساد « 5 » ، وإن كان من منافقة
هامش
( 1 ) سورة الأعراف : الآية 53 .
( 2 ) سورة السجدة ، الآية 17 .
( 3 ) الحديث ورد في البخاري ( كتاب التوحيد ، بدأ الخلق ) ، مسلم ( كتاب الإيمان ) ، الترمذي ( كتاب الجنة ) ، ابن حنبل ج 3 ص 313 ، 380 .
( 4 ) سورة البقرة : الآية 25 .
( 5 ) يريد ابن تيمية أن يلفت نظرنا إلى موقف الفلاسفة وخاصة ابن سينا من قضية البعث وتأويلهم لآياتها بما يفيد صرفها عن ظاهرها . ودعواهم أن البعث روحاني فقط وليس جسماني . أنظر في ذلك : الإشارات لابن سينا النمط الرابع ) ، رسالة اضحوية في أمر المعاد ، وانظر تكفير الغزالي لهم في تهافت الفلاسفة ، ورد ابن تيمية على ابن سينا في العقل والنقل ، الجزء الرابع مخطوط رقم 82 عقائد تيمور بدار الكتب المصرية .