من العقل إلا بظاهر منه وناطق عنه » .
أقول : قوله عليه السّلام : « لم يخف اللّه من لم يعقل عن اللّه » ، في معنى قوله تعالى :
إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ
« 1 » ، وقوله عليه السّلام : « ومن لم يعقل عن اللّه إلخ » أحسن بيان لمعنى الرسوخ في العلم ؛ لأن الأمر ما لم يعقل حق التعقل لم تنسد طرق الاحتمالات فيه ، ولم يزل القلب مضطربا في الإذعان به ، وإذا تم التعقل وعقد القلب عليه لم يخالفه باتباع ما يخالفه من الهوى ، فكان ما في قلبه هو الظاهر في جوارحه وكان ما يقوله هو الذي يفعله ، وقوله : « ولا يكون أحد كذلك إلخ » بيان لعلامة الرسوخ في العلم .
وفي الدر المنثور أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم والطبراني عن أنس وأبي أمامة ووائلة بن أسقف وأبي الدرداء : أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم سئل عن الراسخين في العلم فقال :
« من برت يمينه وصدق لسانه واستقام قلبه ، ومن عف بطنه وفرجه فذلك من الراسخين في العلم » .
أقول : ويمكن توجيه الرواية بما يرجع إلى معنى الحديث السابق .
وفي الكافي عن الباقر عليه السّلام : « إن الراسخين في العلم من لا يختلف في علمه » .
أقول : وهو منطبق على الآية ، فإن الراسخين في العلم قوبل به فيها قوله :
( الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ )
، فيكون رسوخ العلم عدم اختلاف العالم وارتيابه .
وفي الدر المنثور أخرج ابن أبي شيبة وأحمد والترمذي وابن جرير والطبراني وابن مردويه عن أم سلمة : أن رسول اللّه كان يكثر في دعائه أن يقول : « اللهم مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك » . قلت : يا رسول اللّه وإن القلوب لتتقلب ؟ قال : « نعم ما خلق اللّه من بشر من بني آدم إلا وقلبه بين إصبعين من أصابع اللّه فإن شاء أقامه ، وإن شاء أزاغه » الحديث .
أقول : وروي هذا المعنى بطرق عديدة عن عدة من الصحابة كجابر ونواس ابن شمعان وعبد اللّه بن عمر وأبي هريرة ، والمشهور في هذا الباب ما في حديث نواس :
« قلب ابن آدم بين إصبعين من أصابع الرحمن » . وقد روى اللفظة ( فيما أظن ) الشريف
هامش
( 1 ) سورة فاطر : الآية 28 .