أحدها : أنه جعل « التأويل » بمعنى : ما تؤول إليه حقائق الأشياء من كيفياتها وأزمانها وكثير من أحوالها ، وقد علمنا أن كثيرا من العبادات والأخبار الاعتقادية كالقيامة والبعث ودابة الأرض لا سبيل لنا إلى الوقوف على حقائقها وأزمانها ، وهذا هو المراد بقوله تعالى :
هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ
« 1 » الآية .
والثاني : أن من ألفاظه ما أمرنا بأن نتلوها تلاوة ، وبها نتعبد دون معرفة تأويلها ، كما تعبدنا بحركات تحصل في كثير من العبادات في الصلاة والحج . وعلى ذلك حمل قوله تعالى :
وَقُولُوا حِطَّةٌ
« 2 » أي : إنهم أمروا بالتفوه بهذه اللفظة .
والثالث : أن كثيرا من الآيات مما اختلف المفسرون فيه ، ففسروه على أوجه كثيرة تحتملها الآية ، ولا يقطع على واحد من الأقوال ، فإن مراد اللّه تعالى منها غير معلوم لنا مفصلا ، بحيث يقطع به .
والذين ذهبوا المذهب الثاني ، قالوا : قد علم أن الآية نزلت إنكارا على قوم طمعوا في الهجوم على ما لا سبيل لهم إليه ، فأراد تعالى حسم أسباب الخوض فيه ، ومتى كان فيه تشارك لم ينقطع الشغب ، إذ كل يدعي معرفته . فإن قيل : إن هذا لأقوام معينين فرجع القول إلى ما يقوله الإمامية : إن آيات من القرآن لا يعرف تأويلها إلا الإمام ، ويشهد لهذا قوله تعالى :
لكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ
« 3 » » « 4 » .
قال البحراني ( ره ) :
« 1 - وعنه [ محمد بن الحسن الصفار ] عن محمد بن الحسين ، عن وهيب بن حفص عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال : سمعته يقول : « ان القرآن فيه محكم ومتشابه ، فاما المحكم فيؤمن به ويعمل ، واما المتشابه فيؤمن به ولا يعمل به وهو قول اللّه تبارك وتعالى :
فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنْهُ ابْتِغاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ وَما يَعْلَمُ
هامش
( 1 ) سورة الأعراف : الآية 53 .
( 2 ) سورة البقرة : الآية 58 .
( 3 ) سورة النساء : الآية 162 .
( 4 ) جامع التفاسير ج 1 ص 86 - 88 .