الكتاب العزيز ، ولما ثبت من سيرة المسلمين ، وإذن فالظاهر ، أن المراد من النكاح في الآية هو الوطء ، والجملة خبرية قصد بها الاهتمام بأمر الزنا . ومعنى الآية : أن الزاني لا يزني إلا بزانية ، أو بمن هي أخس منها وهي المشركة ، وأن الزانية لا تزني إلا بزان ، أو بمن هو أخس منه وهو المشرك . وأما المؤمن فهو ممتنع عن ذلك ، لأن الزنا محرم ، وهو لا يرتكب ما حرم عليه .
31 -
قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ
« 1 » .
فذهبت جماعة إلى أن هذه الآية الكريمة منسوخة بآية السيف . وقالوا : إن هذه الآية مكية ، وقد نزلت في عمر بن الخطاب حين شتمه رجل من المشركين بمكة قبل الهجرة ، فأراد عمر أن يبطش به ، فأنزل اللّه تعالى هذه الآية ثم نسخت بقوله تعالى :
فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ
« 2 » .
واستندوا في ذلك إلى ما رواه عليل بن أحمد ، عن محمد بن هشام عن عاصم بن سليمان ، عن جويبر ، عن الضحاك عن ابن عباس « 3 » ولكن هذه الرواية ضعيفة جدا ، ولا أقل من أن في سندها عاصم بن سليمان وهو كذاب وضّاع « 4 » ، مع أن الرواية ضعيفة المتن ، فان المسلمين - قبل الهجرة - كانوا ضعفاء ، ولم يكن عمر مقداما في الحروب ، ولم يعد من الشجعان المرهوبين ، فكيف يسعه أن يبطش بالمشرك ؟ ! على أن لفظ الغفران المذكور في الآية يدل على التمكن من الانتقام . ومن المقطوع به أن ذلك لم يكن ميسورا لعمر قبل الهجرة فلو أراد البطش بالمشرك لبطش به المشرك لا محالة .
والحق : أن الآية المباركة محكمة غير منسوخة ، وأن معنى الآية : أن اللّه أمر المؤمنين بالعفو والاغضاء عما ينالهم من الايذاء والإهانة في شؤونهم الخاصة ممن لا يرجون أيام
هامش
( 1 ) سورة الجاثية : الآية 14 .
( 2 ) سورة التوبة : الآية 5 .
( 3 ) الناسخ والمنسوخ للنحاس ص 218 .
( 4 ) قال ابن عدي : « يعد ممن يضع الحديث » . وقال أيضا : « عامة أحاديثه مناكير متنا واسنادا ، والضعف على رواياته بين » . وقال الفلاس : « كان يضع الحديث ، ما رأيت مثله قط » . وقال أبو حاتم والنسائي : « متروك » . وقال الدارقطني :
« كذاب » . وقال أيضا في العلل : « كان ضعيفا آية من الآيات في ذلك » . وقال ابن حبان : « لا يجوز كتب حديثه إلا تعجبا » وقال أبو داود الطيالسي : « كذاب » . وقال الساجي : « متروك يضع الحديث » . وقال الأزدي : « ضعيف مجهول » . لسان الميزان ج 3 ص 218 ، 219 .