فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ
« 1 » .
وروي عن مجاهد أنه ذهب إلى أن آية التخيير ناسخة للآية الثانية .
والتحقيق : عدم النسخ في الآية ، فان الأمر بالحكم بين أهل الكتاب بما أنزل اللّه في قوله تعالى :
فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ
مقيد بما إذا أراد الحاكم أن يحكم بينهم ، والقرينة على التقييد هي الآية الأولى . ويدل على ذلك أيضا - مضافا إلى شهادة سياق الآيات بذلك - قوله تعالى في ذيل الآية الأولى :
وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ
« 2 » ، فإنه يدل على أن وجوب الحكم بينهم بالقسط معلق على إرادة الحكم بينهم .
وللحاكم أن يعرض عنهم فينتفي وجوب الحكم بانتفاء موضوعه . ومما يدل على عدم النسخ في الآية المزبورة الروايات التي دلت على أن سورة المائدة نزلت على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم جملة واحدة ، وهو في أثناء مسيره .
فقد روى عيسى بن عبد اللّه عن أبيه عن جده عن علي عليه السّلام « أن سورة المائدة كانت من آخر ما نزل على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ، وأنها نزلت وهو على بغلته الشهباء ، وثقل عليه الوحي حتى وقعت » « 3 » .
وروت أسماء بنت يزيد . قالت : « إني لآخذة بزمام العضباء ناقة رسول اللّه إذ أنزلت عليه المائدة كلها . وكادت من ثقلها تدق من عضد الناقة » « 4 » .
وروت أيضا باسناد آخر . قالت : « نزلت سورة المائدة على النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم جميعا ان كادت لتكسر الناقة » « 5 » .
وروى جبير بن نفير . قال : « حججت فدخلت على عائشة . فقالت لي : يا جبير تقرأ المائدة ؟ فقلت : نعم . فقالت : أما انها آخر سورة نزلت ، فما وجدتم فيها من حلال فاستحلوه ، وما وجدتم من حرام فحرموه » « 6 » .
هامش
( 1 ) سورة المائدة : الآية 48 .
( 2 ) سورة المائدة : الآية 42 .
( 3 ) تفسير البرهان ج 1 ص 263 .
( 4 ) تفسير ابن كثير ج 2 ص 2 .
( 5 ) مسند أحمد ج 2 ص 458 . وفي تفسير الشوكاني ج 2 ص 2 : وأخرج عبد بن حميد ، وابن جرير ، ومحمد بن نصر في كتاب الصلاة ، والطبراني ، وأبو نعيم في الدلائل ، والبيهقي في شعب الإيمان عن أسماء بنت يزيد نحوه .
( 6 ) أخرجه أحمد ، والنسائي ، وابن المنذر ، والحاكم وصححه ، وابن مردويه والبيهقي في سننه : تفسير الشوكاني ج 2 ص 2 .