المقدسة الجامعة لجميع صفات الكمال ، ومن صفات الكمال الرحمة التي أشار إليها في البسملة ، فذكر « الرحمن » يوجب فوت الدلالة على بقية جهات الكمال المجتمعة في الذات المقدسة ، والتي يستوجب بها الحمد من غير ناحية الرحمة . وكذلك استبدال قوله :
« رب الأكوان » بقوله تعالى :
رَبِّ الْعالَمِينَ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
« 1 » .
فان فيه تفويتا لمعنى هاتين الآيتين ، فان فيهما دلالة على تعدد العوالم الطولية والعرضية ، وأنه تعالى مالك لجميعها ومربيها ، وأن رحمته تشمل جميع هذه العوالم على نحو مستمر غير منقطع ، كما يدل عليه ذكر لفظ « الرحيم » بعد لفظ « الرحمن » . وسنوضح ذلك في تفسير البسملة .
وأين من هذه المعاني قول هذا القائل : « رب الأكوان ؟ » فان الكون معناه الحدوث والوقوع والصيرورة والكفالة « 2 » وهو بجميع هذه المعاني معنى مصدري لا يصح إضافة كلمة الرب اليه وهي بمعنى المالك المربي . نعم يصح إضافة كلمة الخالق إليه . فيقال :
خالق الأكوان . على أن لفظ الأكوان لا يدل على تعدد عوالم الموجودات الذي يدل عليه لفظ العالمين ، ولا على سائر الجهات التي تدل عليها الآية الكريمة . وكذلك استبداله جملة « الملك الديان » بقول اللّه تعالى :
مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ
« 3 » .
مع أن جملته تلك لا تدل على وجود عالم آخر لجزاء الأعمال ، وأن اللّه تعالى هو مالك ذلك اليوم ، وليس فيه لأحد تصرف ولا اختيار ، وأن الناس كلهم في ذلك اليوم تحت حكم اللّه تعالى ينفذ فيهم أمره ، فبعضهم إلى الجنة وبعضهم إلى النار . وغاية ما تدل عليه جملته تلك أن اللّه ملك يجازي بالأعمال ، وأين هذا من معنى الآية الكريمة ؟ ! أما قوله تعالى :
إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ
« 4 » .
هامش
( 1 ) سورة الحمد : الآية 2 .
( 2 ) راجع لسان العرب .
( 3 ) سورة الحمد : الآية 3 .
( 4 ) سورة الحمد : الآية 5 .