وقد يطلق ويراد منه سواد الليل مع نهاره وعليه جاء قوله تعالى :
وَإِذْ واعَدْنا مُوسى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً
« 1 » .
واستعمال لفظي الليل والنهار في هذين المعنيين كثير جدا ، وقد استعملا في الآيتين الكريمتين على المعنى الثاني « مجموع بياض النهار وسواد الليل » فلا مناقضة . وتوهم المناقضة يبتني على أن لفظي الليل والنهار قد استعملا على المعنى الأول . وما ذكرناه بين لا خفاء فيه ، ولكن المتوهم كابر الحقيقة ليحط من كرامة القرآن بزعمه هذا . وقد غفل أو تغافل عما في إنجيله من التناقض الصريح عند إطلاقه لهاتين الكلمتين ! ! ! .
فقد ذكر في الباب الثاني عشر من إنجيل متى : إخبار المسيح أنه يبقى مدفونا في بطن الأرض ثلاثة أيام أو ثلاث ليال . مع أن إنجيل متى بنفسه والأناجيل الثلاثة الأخر قد اتفقت على أن المسيح لم يبق في بطن الأرض إلا يسيرا من آخر يوم الجمعة ، وليلة السبت ونهاره ، وليلة الأحد إلى ما قبل الفجر . فانظر أخريات الأناجيل ، ثم قل لكاتب إنجيل متى ، ولكل من يعتقد أنه وحي إلهي : أين تكون ثلاثة أيام وثلاث ليال .
ومن الغريب جدا أن يؤمن علماء الغرب ومفكروه بكتب العهدين ، وهي مليئة بالخرافات والمناقضات ، وألا يؤمنوا بالقرآن ، وهو الكتاب المتكفل بهداية البشر ، وبسوقهم إلى سعادتهم في الدنيا والآخرة ، ولكن التعصب داء عضال ، وطلاب الحق قليلون كما أشرنا اليه فيما تقدم .
الثاني : إن القرآن قد يسند الفعل إلى العبد واختياره . فيقول :
فَمَنْ شاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شاءَ فَلْيَكْفُرْ
« 2 » .
والآيات بهذا المعنى كثيرة ، فيدل على أن العبد مختار في عمله . وقد يسند الاختيار في الأفعال إلى الله تعالى . فيقول :
وَما تَشاؤُنَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ
« 3 » .
فزعموا أنه يدل على أن العبد مجبور في فعله . وقالوا : هذا تناقض واضح ، والتأويل في الآيات خلاف الظاهر ، وقول بغير دليل .
هامش
( 1 ) سورة البقرة : الآية 51 .
( 2 ) سورة الكهف : الآية 29 .
( 3 ) سورة الدّهر : الآية 30 .