ثانيا : لأنه لو كان إعجاز القرآن بالصرفة لوجد في كلام العرب السابقين مثله قبل أن يتحدى النبي البشر ، ويطالبهم بالإتيان بمثل القرآن ، ولو وجد ذلك لنقل وتواتر ، لتكثر الدواعي إلى نقله ، وإذ لم يوجد ولم ينقل كشف ذلك عن كون القرآن بنفسه إعجازا إلهيا ، خارجا عن طاقة البشر . وقالوا :
4 - إن القرآن وإن سلم إعجازه ، إلا أنه لا يكشف عن صدق نبوة من جاء به ، لأن قصص القرآن تخالف قصص كتب العهدين التي ثبت كونها وحيا إلهيا بالتواتر .
الجواب : إن القرآن بمخالفته لكتب العهدين في قصصها الخرافية قد أزال ريب المرتاب في كونه وحيا إلهيا ، لخلوه عن الخرافات والأوهام ، وعما لا يجوز في حكم العقل نسبته إلى الله تعالى ، وإلى أنبيائه ، فمخالفة القرآن لكتب العهدين بنفسها دليل على أنه وحي إلهي . وقد أشرنا فيما تقدم إلى ذلك ، وإلى جملة من الخرافات الموجودة في كتب العهدين . وقالوا :
5 - إن القرآن مشتمل على المناقضة فلا يكون وحيا إلهيا ، وقد زعموا أن المناقضة وقعت في موردين :
الأول : في قوله تعالى :
قالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزاً
« 1 » .
فإنه يناقض قوله تعالى :
قالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَ لَيالٍ سَوِيًّا
« 2 » .
الجواب : إن لفظ اليوم قد يطلق ويراد منه بياض النهار فقط كما في قوله تعالى :
سَخَّرَها عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيالٍ وَثَمانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُوماً
« 3 » .
وقد يطلق ويراد منه بياض النهار مع ليله كما في قوله تعالى :
تَمَتَّعُوا فِي دارِكُمْ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ
« 4 » .
كما أن لفظ الليل قد يطلق ويراد به مدة مغيب الشمس واستتارها تحت الأفق ، وعليه جاء قوله تعالى :
وَاللَّيْلِ إِذا يَغْشى
« 5 »
سَبْعَ لَيالٍ وَثَمانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُوماً 69 : 7
« 6 » .
هامش
( 1 ) سورة آل عمران : الآية 41 .
( 2 ) سورة مريم : الآية 10 .
( 3 ) سورة الحاقّة : الآية 7 .
( 4 ) سورة هود : الآية 65 .
( 5 ) سورة الليل : الآية 1 .
( 6 ) سورة الحاقّة : الآية 7 .