ففي هذا الحديث تنبيه على ما في نظم فاتحة الكتاب من خصوصية التقسيم إذ قسم الفاتحة ثلاثة أقسام . وحسن التقسيم من المحسنات البديعية . مع ما تضمنه ذلك التقسيم من محسن التخلص في قوله فإذا قال :
إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ
، قال : « هذا بيني وبين عبدي » إذ كان ذلك مزيجا من القسمين الذي قبله والذي بعده .
وفي القرآن مراعاة التجنيس في غير ما آية والتجنيس من المحسنات ، ومنه قوله تعالى :
وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ
« 1 » .
وأما الجهة الثانية : وهي ما أبدعه القرآن من أفانين التصرف في أساليب الكلام البليغ وهذه جهة مغفولة من علم البلاغة ، فاعلم أن أدب العرب نوعان شعر ونثر ، والنثر خطابة وأسجاع كهان ، وأصحاب هذه الأنواع وإن تنافسوا في ابتكار المعاني وتفاوتوا في تراكيب أدائها في الشعر ، فهم - بالنسبة إلى الأسلوب - قد التزموا في أسلوبي الشعر والخطابة طريقة واحدة تشابهت فنونها ، فكادوا لا يعدون ما ألفوه من ذلك حتى إنك لتجد الشاعر يحذو حذو الشاعر في فواتح القصائد وفي كثير من تراكيبها ، فكم من قصائد افتتحت بقولهم : « بانت سعاد » للنابغة وكعب بن زهير ، وكم من شعر افتتح ب .
يا خليلي أربعا واستخبرا وكم من شعر افتح ب يا أيها الراكب المزجى مطيته وقال امرؤ القيس في معلّقته :
وقوفا بها صحبى على مطيهم * يقولون لا تهلك أسى وتحمل
فقال طرفة في معلّقته بيتا مماثلا له سوى أن كلمة القافية منه « وتجلّد » .
وكذلك القول في خطبهم تكاد تكون لهجة واحدة وأسلوبا واحدا فيما بلغنا من خطب سحبان وقس بن ساعدة . وكذلك أسجاع الكهان وهي قد اختصت بقصر الفقرات وغرابة الكلمات . إنما كان الشعر الغالب على كلامهم ، وكانت الخطابة بحالة ندور لندرة مقاماتها .
قال عمر : « كان الشعر علم القوم ولم يكن لهم علم أصح منه » فانحصر تسابق جياد البلاغة في ميدان الكلام المنظوم ، فلما جاء القرآن ولم يكن شعرا ولا سجع كهان ، وكان من
هامش
( 1 ) سورة الأنعام : الآية 26 .