« ولا شبهة في دلالة القرآن على ثبوت الآية المعجزة وتحققها بمعنى الأمر الخارق للعادة الدال على تصرف ما وراء الطبيعة في عالم الطبيعة ونسأة المادة ، لا بمعنى الأمر المبطل لضرورة العقل .
وما تمحّله بعض المنتسبين إلى العلم من تأويل الآيات الدالة على ذلك توفيقا بينها وبين ما يتراءى من ظواهر الأبحاث الطبيعية « العلمية » اليوم تكلف مردود اليه .
والذي يفيده القرآن الشريف في معنى خارق العادة وإعطاء حقيقته نذكره في فصول من الكلام .
1 - تصديق القرآن لقانون العلية العامة :
إن القرآن يثبت للحوادث الطبيعية أسبابا ويصدق قانون العلية العامة كما تثبته ضرورة العقل ، وتعتمد عليه الأبحاث العلمية والأنظار الاستدلالية .
فالقرآن يحكم بصحة قانون العلية العامة ، بمعنى أن سببا من الأسباب إذا تحقق مع ما يلزمه ويكتنف به من شرائط التأثير من غير مانع لزمه وجود مسببه مترتبا عليه بإذن اللّه سبحانه ، وإذا وجد المسبب كشف ذلك عن تحقق سببه لا محالة .
2 - اثبات القرآن ما يخرق العادة :
ثم إن القرآن يقتص ويخبر عن جملة من الحوادث والوقائع لا يساعد عليه جريان العادة المشهودة في عالم الطبيعة على نظام العلة والمعلول الموجود ، وهذه الحوادث الخارقة للعادة هي الآيات المعجزة التي ينسبها إلى عدة من الأنبياء الكرام ، كمعجزات نوح وهود وصالح وإبراهيم ولوط وداود وسليمان وموسى وعيسى ومحمد صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ، فإنها أمور خارقة للعادة المستمرة في نظام الطبيعة .
لكن يجب أن يعلم أن هذه الأمور والحوادث وان أنكرتها العادة واستبعدتها الا أنها ليست أمورا مستحيلة بالذات ، بحيث يبطلها العقل الضروري كما يبطل قولنا الايجاب والسلب يجتمعان معا ويرتفعان معا من كل جهة ، وقولنا : الشيء يمكن أن يسلب عن نفسه ، وقولنا : الواحد ليس نصف الاثنين ، وأمثال ذلك من الأمور الممتنعة بالذات كيف ؟
وعقول جم غفير من المليين منذ أعصار قديمة تقبل ذلك وترتضيه من غير انكار وردّ ،