لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ
« 1 » فقد جمعت جميع الموجودات في كلمة واحدة ، وإذا حاولت ذكرها بالتفصيل لافتقرت إلى مجلدات كثيرة ، ثم قس على نسبة اللفظ إلى اللفظ نسبة المعنى إلى المعنى ، على أن فسحة عالم المعاني والتفاوت بين أقسامها لا يقاس بفسحة عالم الألفاظ والتفاوت فيها .
ولو اتفق لأحد أن يخرج من هذا الوجود المجازي الحسي ويلتحق بالوجود العقلي بدائرة الملكوت السبحاني حتى يشاهد معنى : اللّه
بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ
« 2 » فحينئذ يشاهد وجوده تحت نقطة « باء » السببية لمسبب الأسباب ، ويعاين عند ذلك تلك « الباء » التي في بسم اللّه حيثما تجلت له عظمتها وجلالة قدرها ، ورفعة سرّ معناها . نحن وأمثالنا لا نشاهد من القرآن إلا سوادا على بياض ، لكوننا في عالم الظلمة والسواد ، والمدرك لا يدرك شيئا إلا بما في قوة إدراكه ، وقوة إدراكه دائما تكون من جنس مدركاته ، بل هي عينها ، فالحس لا ينال إلا المحسوس ، ولا الخيال إلا المتخيّل ، ولا العقل إلا المعقول ، فلا يدرك النور إلا بالنور :
وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَما لَهُ مِنْ نُورٍ
« 3 » . . . وقال تعالى :
وَلكِنْ جَعَلْناهُ نُوراً نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشاءُ مِنْ عِبادِنا
« 4 » . . .
روي أن رسول اللّه خرج يوما وفي يديه كتابان مطويّان ، فسأل أصحابه : أتدرون ما هذين الكتابين ؟ وأخبرهم بأن في الكتاب الذي بيده اليمنى أسماء أهل الجنة من أول من خلق اللّه إلى يوم القيامة ، وفي الكتاب الذي بيده اليسرى أسماء أهل النار من أول من خلق اللّه إلى يوم القيامة .
من هنا يعلم الفرق بين كتابة الخالق وكتابة المخلوق ، إذ لو حاول المخلوق أن يكتب هذه الأسماء على ما هي عليه في ذينك الكتابين لما كان في إمكانه ، ولا يفي بذلك كل ورق العالم .
ومما حكي في هذا الباب عن بعض البله من أهل الحاج أنه لقي رجلا وهو يطوف طواف الوداع ، فراح الرجل يمازح الأبله قائلا : وهل أخذت براءتك من النار ؟ فقال الأبله :
هامش
( 1 ) سورة البقرة : الآية 284 .
( 2 ) سورة فصّلت : الآية 54 .
( 3 ) سورة النّور : الآية 40 .
( 4 ) سورة الشورى : الآية 52 .