ولما كان التقليد منبعا خطيرا من منابع الضلال ، واحتج المشركون بما وجدوا عليه آباءهم ، عني القرآن بتوسيع آفاق العقل والفكر وأمر بالتفكر وحض على النظر والتعقل ، وسفّه أحلامهم وأحلام آبائهم ، حتى جعل التقليد الأعمى للآباء عارا وشنارا ، يعتبر به المعتبر ، فضلا عن تقليد الأعداء فيما يبتكرونه في الفكر من الأزياء .
قال تعالى :
وَإِذا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا ما أَنْزَلَ اللَّهُ قالُوا بَلْ نَتَّبِعُ ما وَجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا أَ وَلَوْ كانَ الشَّيْطانُ يَدْعُوهُمْ إِلى عَذابِ السَّعِيرِ
« 1 » .
وقال تعالى :
بَلْ قالُوا إِنَّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلى آثارِهِمْ مُهْتَدُونَ . وَكَذلِكَ ما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قالَ مُتْرَفُوها إِنَّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلى آثارِهِمْ مُقْتَدُونَ . قالَ أَ وَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آباءَكُمْ . قالُوا إِنَّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافِرُونَ . فَانْتَقَمْنا مِنْهُمْ فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ
« 2 » .
3 - الاستدلال بدلائل الأنفس والأكوان على عظمة اللّه تعالى وسلطانه ، ووجوب طاعته والانقياد له ، وتوحيده في ألوهيته وربوبيته ، والإيمان بالقيامة والبعث بعد الموت .
حتى كانت في تلك الآيات دلائل إعجاز علمي ، لما اشتملت عليه من حقائق الكون والإنسان والحياة ، ونواميس خلقه تعالى وسنن تصريفه لأمور الأكوان .
انظر هذه الآيات من سورة لقمان وما فيها من سبق علمي :
أَ لَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ ، وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظاهِرَةً وَباطِنَةً ، وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلا هُدىً وَلا كِتابٍ مُنِيرٍ
هامش
( 1 ) سورة لقمان ، الآية 21 .
( 2 ) سورة الزخرف ، الآيات 22 - 25 .