الذاتية الأزليّة الباقية مرتبطة بالعزة الإلهية والعلم المحيط كما وردت في القرآن ، إنها حكمة الخالق وليست حكمة المخلوق ، واللّه خلق الإنسان الحكيم وآتاه الحكمة فهو مصدر الخلق الحكيم ومصدر الحكمة أساسا وينبوعا .
- وهي إلى أنها صفة وصف اللّه بها ذاته مثل الصفات الأخرى التي يراد فيما يراد منها أن نقتبس منها نظرا وعملا ، ونكتسب من آثارها قيما ونشاطا باعتبارها صفة ثابتة للّه ومن اللّه المثل الأعلى فهي مما أسبغها الملائكة عليه ، حين علّم آدم الأسماء كلها وأنبأهم بها فقالوا :
إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ
( البقرة 32 ) ومن دعاء إبراهيم وإسماعيل في بناء الكعبة القائلين
إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ
( البقرة 129 ) . ومن أحداث يوسف مع أبيه وإخوته في ثلاث آيات ( 6 ، 83 ، 100 ) وإيمان ( لوط ) بإبراهيم عليهما السلام ( العنكبوت 26 ) وضيوف إبراهيم وبشارتهم زوجته بولادة إسحاق قائلين على غير الأسلوب القرآني العام
إِنَّهُ هُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ
( الذاريات 30 ) ودعاء إبراهيم والمؤمنين في مواجهة التحديات الكافرة ( الممتحنة 5 ) . . . إنها جميعا مما أطلقه الملائكة والأنبياء والمؤمنون من الحكمة على اللّه تعالى بدافع من فطرتهم وإيمانهم . وحكمة الحضارات في المنشأ والارتقاء والدمار لا تتأثر بالصدفة ولا تحكمها الأمزجة ، وإنما هي تنشأ وتتطور وتزول بالنواميس الحكيمة التي يحرص المسلمون عليها معتبرين بحكمة اللّه في زوال الحضارات ، ملتزمين بوضع الأمور مواضعها ، مقدرين السنن الكونية المحكمة أقدارها . وهي بطبيعة الحال متلازمة مع القدرة والعلم والعزة والخبرة والعمل تبعث على الإفادة من صفة الحكمة ومن الصفات المقترنة الأخرى في أقصى مجالاتها وميادينها مع الضبط الحكيم والتصرف المقدر ، فمن سنن التدمير ( استفزاز ) أولي الرأي والحكمة والخير من بلادهم ( الإسراء 76 ، 77 ) وأن القوة الماديّة وحدها لا تدفع الدمار ( فاطر 43 ) وعاقبة المكذبين ( آل عمران 137 ) . . . .
- ولترسيخ هذه الصفة العظيمة ساقها القرآن بأسلوب الثبوت والدوام مطلقة متجردة عن الزمان والمكان لفظا ومعنى وهذا هو الأغلب على سياقاتها ، وكذلك أوردها مقترنة بفعل ( الكون ) في ( 16 ) آية مؤكدة ب ( إن ) وغير مؤكدة بها . . مثل :
وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً