إن حكما واحدا هو الصوم في آية واحدة أخذ حكما خاصة وعامة وتعليلات بأدوات متعددة لإقناع العقل بأحقّيته وتربية النفس على استيعابه والالتزام به تربية جامعة بين الفكر والعاطفة والعمل .
ثانيا : حكم وتعليلات في مسائل عديدة وباسم واحد :
وهو غالبا ( مصدر ) تبدو منه الحكمة أو السبب باعتباره ( مفعولا له ) ، ومن ذلك ( التذكّر والذكرى ) ، الذي يرتبط بمسائل إلهية وبشرية في ممارسة الإنسان لحرياته واختياراته لمواجهة الدعوات والعقائد وفي أعقاب التاريخ وأحداثه التي هي خير العبر والتذكير ، وبخاصة في إنشاء الحضارات وهدمها ، وهذا يعني تنبيه الذهن البشري إلى الماضي والحاضر والمستقبل والإفادة من دائرة الزمان والمكان المترامية . إن الارتباطات التذكيرية في صميم الظاهرة القرآنية ومهمات الرسل ودعوة الرسول خاصة ، معالم الطريق الحق الذي اختاره اللّه هداية للناس ، وهذا يعني أن كل حدث لا بد له من مقصد حكيم وعلة تظهر جدية الحياة الدنيا لمواصلة المسيرة الحضارية من غير مثبطات أو معوقات . وفي البداية لا بدّ من تقديم ملاحظة هامة هي أن ( الذكريات ) غالبا ما وقعت أو عبّرت عن الحكمة والتعليل أو عن حكمة التعليل ، بذاتها بوضعها التركيبي الجملي وكما اصطلح عليه النحاة . فالمفعول له أو لأجله أو من أجله يصاغ من المصدر الذي يشعر بالعلّية ، ومن شروطه كونه علة لأنه الباعث على الفعل سواء كان المفعول له منصوبا حين استيفاء شروطه الخمسة أو جرّ بحرف الجر الخاص بالتعليل مثل ( من ) في قوله
وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ
( الأنعام 151 ) ، والنهي عن الوهن في ابتغاء القوم ( النساء 104 ) ، وهبوط الحجارة من خشية اللّه ولأجله ( البقرة 74 ) والتعليل واضح في سورة ( قريش ) من مطلعها ، فإن التصريح
لِإِيلافِ قُرَيْشٍ
في رحلتين أظهرت فضل اللّه عليهم حتى طلب اللّه منهم
فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هذَا الْبَيْتِ الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ
والمعنى كما ذكر صاحب التصريح « 1 » : إن نعم اللّه لا تحصى فإن لم يعبدوه لسائر نعمه فليعبدوه لأجل إيلافهم رحلة الشتاء والصيف اللتين
هامش
( 1 ) التصريح 1 / 234 وما بعد