تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حكمة القرآن والحضارة — صفحة 189

مساهمون:

ص١٨٩
وجاء في تفسير الحديث أقوال تنوه بخطر التجربة للعاقل الذي هو وحده يمكن أن يتعلم منها ويتجنب العثرات فيتعلم من طريق الأخطاء مثل ما يتعلم من غيرها . قال ابن الأثير : لا يحصل الحلم حتى يرتكب الأمور ويعثر فيها فيعتبر بها ويستبين مواضع الخطأ ويتجنبها . وقال غيره : لا يكون حليما كاملا إلّا من وقع في زلّة وحصل منه خطأ فحينئذ يخجل ، فينبغي لمن كان كذلك أن يستر من رآه على عيب فيعفو عنه . وكذلك من جرّب الأمور علم نفعها وضررها فلا يفعل شيئا إلّا عن حكمة « 1 » . فالتجربة معلّمة الإنسان الكامل الحكيم . والعاقل وحده هو الذي يفيد من تجاربه فلا يتكرر خطأه ولا يتعثر فيه مرارا . قال الطيبي : ويمكن تخصيص الحليم بذي التجربة للإشارة إلى أن غير الحكيم بخلافه ، وأن الحكيم الذي ليس له تجربة قد يعثر في مواضع لا ينبغي له فيها الحلم بخلاف الحكيم المجرب . إنه توجيه من الرسول إلى الحذر والحزم . قال الخطابي : هذا لفظه خبر ( لا يلدغ ) ومعناه أمر ، أي ليكن المؤمن حازما حذرا لا يؤتى من ناحية الغفلة فيخدع مرة بعد أخرى ، وقد يكون ذلك في أمر الدين كما يكون في أمر الدنيا وهو أولاهما بالحذر . ففي الحديث تحذير من التغفيل وإشارة إلى استعمال الفطنة . قال أبو عبيد : لا ينبغي للمؤمن إذا نكب من وجه أن يعود إليه . قيل المراد بالمؤمن في هذا الحديث : الكامل الذي قد أوقفته معرفته على غوامض الأمور حتى صار يحذر مما سيقع ، وأما المؤمن المغفل فقد يلدغ مرارا . وهو أدب نبوي يريد منه الرسول تعويد أمته على الفطنة واستخدام الأناة والتبصر قبل الوقوع في الأخطاء . قال ابن بطال : أدب شريف أدّب به النبي صلى اللّه عليه وسلم أمته ونبههم كيف يحذرون مما يخافون سوء عاقبته ، وفي معناه حديث : المؤمن كيّس حذر « 2 » .
هامش
( 1 ) الفتح 10 / 530 ( 2 ) نقله صاحب الفتح 10 / 530 وقال : أخرجه صاحب ( مسند الفردوس ) من حديث أنس بسند ضعيف