العكوف الخاطئ ، وأن يدع الإنسان نفسه نهبا للمصائب المعادة سواء تماثل بعضها ببعض أو اختلفت في الصور والأشكال ، فإن الحذر مطلوب لا من أجل سلامة العمل ذاته وحسب وإنما من أجل تقويم الشخصية التي لا ترتاع ولا تعتبر .
فقد ورد في الصحيح قوله : لا يلدغ مؤمن من جحر مرتين « 1 » . قال معاوية : لا حكيم إلّا ذو تجربة . ووصله أبو بكر بن شيبة في مصنفه ، وفي رواية عن معاوية : لا حليم إلّا ذو تجربة ، قالها ثلاثا : وفي حديث أبي سعيد مرفوعا : لا حليم إلّا ذو عثرة ، ولا حكيم إلّا ذو تجربة « 2 » .
وجاء في سبب وروده :
كان أبو عزة الجمحي شاعرا ، قد أسر ببدر ، فشكى للرسول صلى اللّه عليه وسلم عائلة وفقرا ، فمنّ عليه النبي وأطلقه بغير فداء ، فظفر به بأحد ، فقال : منّ عليّ ، وذكر فقره وعياله ، فقال : لا تمسح عارضيك بمكة ، تقول : سخرت بمحمد ، مرتين ، وأمر به فقتل ، ثم قال :
لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين .
فليس المؤمن بالخبّ ( الخدّاع ) ولا الخبّ يخدعه .
قال الطيبي : يعني أنه ليس من شيمة المؤمن الحازم الذي يغضب للّه أن ينخدع من الغادر المتمرد فلا يستعمل الحلم في حقه ، بل ينتقم منه .
قال ابن حجر : يستفاد من هذا أن الحلم ليس محمودا مطلقا ، كما أن الجود ليس محمودا مطلقا ، وقد وصف اللّه الصحابة
أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ
. فليس من الحكمة وضع الكرم في موضع السيف وبالعكس .
ووضع النّدى في موضع السيف بالعلا * مضر كوضع السيف في موضع النّدى
هامش
( 1 ) البخاري أدب ( 6133 ) .
( 2 ) نقله صاحب الفتح عن أحمد وصححه ابن حبان ومعظم الأقوال السابقة من فتح الباري 10 / 530 .