معرفة خواص الأشياء كما في الطبّ ، وبمعنى مشاهدة الإنسان ما في نفسه ، وبمعنى تذوق الحقائق بالقلب ، وبمعنى نظر الأمر واستنباط الحكم « 1 » .
وعلى هذا فإن التجربة ذوقية وهي طريق النبوة فإن العلاقة قوية بين الوحي الإلهي وهذه التجربة حتى إن الغزالي يقيم لها شأنا كبيرا خلافا للمتكلمين والفلاسفة . . . فإن أحباب اللّه يتلقّون علما لدنيّا لن يطّلع عليه العلماء الذين يعتمدون على الاستنباط العقلي ، ولا يرتقي إلى ذلك المقام الرفيع في العلم إلا القليل جدا من الناس ، وهم فيه يلتقون بالرسل والأنبياء من جميع الأزمنة ، ولذلك فإن اتّباعهم واجب على من هم أدنى منهم مرتبة في المعرفة . يقول الغزالي بعد أن يستشهد بقوله :
آتَيْناهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنا وَعَلَّمْناهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْماً
( الكهف 65 ) هذه الطريقة لا تفهم إلا بالتجربة ، وإن لم تحصل بالذوق لم تحصل بالتعليم ، والواجب التصديق بها حتى لا تحرم شعاع سعادتهم « 2 » . . . . .
فالتجربة الذوقية عنده ليست خاصة الأنبياء ، وهو يستشهد طويلا على صحة الإلهام بالتجارب والحوادث التي وقعت للصحابة والأصفياء « 3 » يجدون بها لذة لا يعدلها لذة أخرى ، إنها فوق التجارب الحسية ووراء التجارب الذهنية الفلسفية ما دامت تنبع من القلب بذوقيته العجيبة .
وذكروا في باب التجارب والتأدب بالزمان ، قالت الحكماء : كفى بالتجارب تأديبا ، وبتقلب الأيام عظة .
وقالوا : كفى بالدهر مؤدبا وبالعقل مرشدا .
وقالوا : كفى بالدهر مخبرا بما مضى عما بقي .
وقالوا : كفى الزمان مخبرا لذوي الألباب ما جرّبوا .
وأقوال كثيرة غيرها .
وذكروا أيضا في باب آداب الحكماء والعلماء العملية في فضيلة الأدب : أوصى بعض الحكماء بنيه فقال : الأدب أكرم الجواهر طبيعة ، وأنفسها قيمة ، يرفع الأحساب الوضيعة ،
هامش
( 1 ) أبو ريدة في كتاب : الفلسفة في الإسلام ص 238 .
( 2 ) المنقذ من الضلال ص 128 وفي آخره حكم وأمثال كثيرة .
( 3 ) الإحياء 8 / 43 .