فقد جاء رجل إلى النبي صلى اللّه عليه وسلم فقال : يا رسول اللّه علّمني وأوجز ، قال : إذا قمت في صلاتك ، فصلّ صلاة مودّع ، ولا تكلّم بكلام تعتذر منه ، وأجمع اليأس عما في أيدي الناس « 1 » .
وهذا يعني أن تعلّمها ليس بالضرورة تعلم العلوم العقلية قصرا وحصرا ، وإنما تشملها وتشمل كل مجلس علم نافع وفقه مستبصر وخلق نظري وعملي . كما يجدر التنبيه إلى أنه ليس أي مجلس علم ديني أو دنيوي من الحكمة ، وليس جميع العلماء والقضاة والمؤلفين فلاسفة وحكماء فإن في الحكمة مزيّة ذاتية ودرسية وحياتيّة لا يتّصف بها كثير منهم . فالحكمة مثل ما أنها عمق في الفكر والقول والسلوك فإنها تشمل المسلمين وغيرهم ممن يتفيئون ظلالها ويستقون من ينابيعها وينشرونها بين الناس .
قال برتراندرسل متسائلا وناقلا : ما الفيلسوف ؟ ! إنّ الكلمة حرفيا تعني محبّ الحكمة ، ولكن ليس كل شخص حريص على المعرفة فيلسوفا ، فلا بدّ إذا من مزيد من التحديد للتعريف بحيث يصبح : الفيلسوف هو ذلك الذي يحب رؤية الحقيقة . إن جامع الأعمال الفنية يحب الأشياء الجميلة ، ولكن هذا لا يجعل منه فيلسوفا ، فالفيلسوف يحب الجمال في ذاته ، وعلى حين أن محب الأشياء الجميلة حالم فإن محب الجمال ذاته يقظ ، وعلى حين أن
هامش
( 1 ) ابن ماجة : الحكمة ( 4171 ) .
وفي الزوائد : اسناده ضعيف ، وعثمان بن جبير ( أحد رواته ) قال الذهبي في الطبقات : مجهول ، وذكره ابن حبان في الثقات ، وقال البخاري وأبو حاتم : روي عن أبيه عن جده عن أيوب . قلت :
لكن كون الحديث من أوجز الكلمات وأجمعها للحكمة يدل على قربه للثبوت ، فليتأمل . ومعنى :
وأوجز أي اقتصر على خلاصة الأمر ليكون أسهل للضبط ، أو أدّ ذلك العلم المطلوب بكلام مختصر ، موجز لفظا ، جامع للعلم الكثير معنى . ومعنى : مودّع أي كن كأنك تصلي آخر صلاتك .
ومعنى يعتذر منه : يحتاج منه إلى الاعتذار . ومعنى اجمع : اعقد واعزم .