لا ينبغي أن يتّبع ناطق الحكمة في حال اختلاط المفاهيم عليه وشذوذه عن مقتضيات العقل والشرع ولا في حال تشكيكه بالتصورات الحقّة فإن الناس قد يتأثرون بزيغه وشكوكه .
جيل المعلمين والمتعلمين والحكمة
فكل صحابي كان متعلما ، ومعلما ، تعلّم من الرسول وكبار الصحابة والمكثرين من الرواية وعلّم غيره من الصحابة والتابعين مثل : ابن عمر وابن عباس وابن عمرو ، من عمر وأبي هريرة ومعاذ . . . وكذلك تعلم وتعليم أزواج الرسول أمور البيت المسلم . . . . فلا ينقطع المعلم عن التعليم ما دام النبع ثرّا والتواصل العلمي قائما . إنها حركة علمية دائبة نشطة في إطار الدوافع النبيلة الخيرة . وإذا فهي عملية تضم المعلمين والتلاميذ معا ، فلا يبقى التلميذ تلميذا وفي حال التلقي وحده وإنما يمكنه أن يصير - وبالفعل - معلما يشترك في البذل والعطاء محتفظا بحقه في التعلم المستمر الحي والإفادة الواقعية النافعة .
وإذا كانت الأمية ضاربة أطنابها في العرب فإنها تقتضي ثورة علمية ولكنها حكيمة المضمون والأداء ، ولئن كان الرسول واحدا من الأميين فإن بعثته إلى الناس تعليمية وإصلاحية معا ، حتى أصبح التعلم والتعليم ظاهرة في حياتهم ، إنه الجيل الأول الذي حمل العلم ووسائله وبخاصة علم القرآن والسنة والحكمة وتزكية النفوس إلى الأقطار القريبة والبعيدة ، ومن ثم حملوه إلى من بعدهم فكانت حضارتهم علمية جهادية بعد أن كانوا أميين جاهليين ( البقرة 151 ) وهي قضية هامة تستحق منهم أن يشكروا اللّه ويذكروه فاللّه يقابل شكرهم وذكرهم هذا بما هو أعظم منه وأجلّ ( البقرة 152 ) . وهذا الدافع القيمي القوي مما يعزز النشاط العلمي الكبير الذي كان يتجاوز شظف العيش « 1 » وتأريث العداوة والاعتزاز بالسفه والجاهلية والاعتماد على معارف اليهود المغرضة . ويعني نقل العرب وغيرهم من أمّة أمية إلى أمّة متعلمة لا يقتصر تعلمها على محو الأمية وإنما ينقلها إلى أمة
هامش
والمشبهات بدلا من المشتهرات ، قال الزهري : ما تشابه عليك من قول الحكيم حتى تقول : ما أراد بهذه الكلمة ؟ وزيعة : هي زيغة : وهي الشك والميل .
( 1 ) انظر حديث أبي داود ، علم ( 3666 ) ومنهم أهل الصفة .