تمكنت هذه الحكمة من القلوب والأعمال فنجح الأنبياء في التبليغ والإصلاح أو لم تتمكن ولم ينجحوا فإن إمامتهم تظل أصدق قدوة وأخلص إمامة وأرسخ مبدأ في عالم المثل والتصورات . . حيث تبقى خالدة متدفقة العطاء وإن تخلى أصحابها عنها وتنكّروا لها ، فإن استمرارية الحق على الحق وبقاء الخير على الخير هي مشاعل الإنسانية ومنارات المبدئية التي تفضل العنصر البشري على سائر المخلوقات ، وتسمو مبادئ الحق والخير فوق الأشخاص والاعتبارات ، ويتجلى هذا في تهديد اللّه للكافرين والجاحدين أن يستبدل بهم الأجيال الصالحة القادمة التي تستنير بمبادئهم وتهتدي بهداهم . وذلك ما حققه الإسلام باعتباره مجمع الأديان وخاتمها ، فمن خلال حكمة القرآن والسنّة المفسرة والشاملة لحكمة النبوات والأديان تتجه حضارته إلى العالم في حيوية وسمو وحكمة وقدرة قادرة على التحصين والبناء .
ومن ناحية ثانية فإن ( التصرفات ) العملية الحكيمة بادية صريحة في القرآن يمكن أن تحتذى نصا وروحا ، فمن ذلك : اتخاذ اللّه إبراهيم خليلا ( النساء 125 ) وهي خلّة دالّة على الحصافة والحكمة قد ظهرت في أعمال كثيرة أذكر منها : تكسير إبراهيم الأصنام في معبد القوم الوثني إلّا كبيرهم ( الأنبياء 60 - 62 ) حتى نكسوا ورجعوا إلى أنفسهم ، وإفحام الخصم حين قال له : أنا أحيي وأميت ، ورده عليه بأن اللّه يأتي بالشمس من المشرق شرقا فليأت المتطاول بها غربا فبهت الذي كفر ( البقرة 258 ) ، وموسى حين طلب من السحرة أن يلقوا عصيهم وحبالهم أولا لكي يرى الحضور معجزته ( الأعراف 115 ) و ( الشعراء 43 ) ، وداود وسليمان يحكمان في الحرث ( الأنبياء 78 ) ويوسف في إخفاء الصواع ( يوسف 72 ) .
إن التصرف الحكيم يتجاوز القول الحكيم فيبرز إمكانية التمثّل العاقل والعمل النموذج الذي يقنع الصديق والعدو ، القريب والبعيد ويجعل الحكمة شيئا محسا ملموسا متعاملا بها مع الأحداث معايشا لها مع الواقع ، وأكثر إقناعا وأفحم حجة . فالمنطق العملي أقوى نفوذا من المنطق النظري ، والقدوة الفعلية أرسخ وأمضى من القدوة القولية ، فما بالك إذا اجتمع المنطقان وترافقت القدوتان ؟
حكمة القرآن والحضارة — صفحة 112
مساهمون: نذير حمدان
ص١١٢