إنه مصير الآباء والأزواج والذرية الصالحين عند اللّه تعالى فهي
ذُرِّيَّةً بَعْضُها مِنْ بَعْضٍ
( آل عمران 34 ) ، وأي تكريم أعذب من أن يجمع اللّه الأسرة الصالحة عنده في جنات عدن تحييهم الملائكة من كل باب ( الرعد 23 - 24 ) وفي هذا المصير المشترك يلهم أنه محصلة لثلاثة أعمال هامة : الاشتراك في الصلاح ، والتربية التي ساهم فيها الأبوان ، والتربية الناجحة التي تحتاج إلى صبر وحكمة . . . إنها خير في الأرض وصلاح في السماء وعاقبة طيبة في الآخرة ، فهل ترجو أسرة أو تحلم بمثل هذه الخيرات ؟ وهل يتم تواصل في صلاح البيت المسلم في الدنيا والآخرة بمثل التواصل الحضاري الرحب الشامل ؟ « 1 » .
مشيئة الإنسان وحكمة اللّه :
وبمقتضى ربط الحكمة الإلهية بصفات أخرى فإن النواميس الإلهية محكمة الصنع متقنة الحركة والنشاط ، وهي بأسبابها ومسبباتها من مشيئة اللّه تعالى لأنها من العليم الحكيم كما قال
وَما تَشاؤُنَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيماً حَكِيماً
( الإنسان 30 ) والمشيئة الإلهية الحكيمة تستوعب مشيئة الإنسان الذي يقتبس مشيئته من حكمة اللّه التي تدفعه لأن يقوم بعمله ونشاطه بأمر اللّه وتوجيهه ، فمن الحكمة الإلهية كسب الإنسان واختياره ومن ثم مسئوليته عنهما مسؤولية حقوقية وأخروية . فقد أثبتت الآية السابقة هذه المشيئة الحرة له بعد الذكرى النافعة
إِنَّ هذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شاءَ اتَّخَذَ إِلى رَبِّهِ سَبِيلًا
( الإنسان 29 ) . وإذا كانت سورة ( الإنسان ) التي اقتبسنا منها الآيتين ، من أبين السور القرآنية على خصوصية للإنسان خلقا وتكليفا ومصيرا فإن قواه البدنية والعقلية والشعورية ضمن النواميس الإلهية وفي التقدير الحكيم الذي جعله اللّه في أحسن تقويم « 2 » .
ففي حدوث المرض وحكمته حكمة الشفاء ، وفي إزالة الفقر وحكمته حكمة اليسر ، وفي وجود الجهل حكمة العلم ، وفي وقوع الشر حكمة الخير ، وفي سهولة الباطل حكمة الحق .
وإن وجود المرض والفقر والجهل والشر والباطل لا يعني أنها سنن من مشيئة ثابتة لا تتغير ولا تتبدل فهي ( ابتلاءات ) متغيرة متنقلة لا ينبغي اعتبارها حكما ثابتة يرضى عنها المسلمون حتى يصبحوا فقراء ضعفاء جهلاء . . . وإذا كان الدعاء يردّ القضاء ويقي شر القدر فإن من
هامش
( 1 ) للمؤلف من كتاب : الخير 141 .
( 2 ) انظر رسالة خاصة لابن تيمية في شرح هذه السورة .