تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جماليات المفردة القرآنية — صفحة 227

مساهمون:

ص٢٢٧
جاري عادته يولع بالعبارات الفضفاضة ، والألفاظ الرّنانة التي لا تفيد إلا بكونها مفتاحا لتذوق آخر يعتمد المنهج العلميّ ، ولعلّه يريد شدّة الصاد الذي يجاور كلّا من الطّاء والراء ، وكذلك الخاء ، فيوجد أربعة حروف احتكاكية تقوم بدور حسّي يصوّر معالجة النار لأجسادهم . ولقطب وقفات كثيرة في هذا المضمار ، وذلك لأنّ موسيقا اللفظ في منظوره عنصر من عناصر التصوير ، وهذه الموسيقا المصوّرة لا تقتصر على نوعية الحروف ، بل تشتمل على التّشكيل الناتج عن الحركات والمدود ، فهو يقول في بداية تفسير سورة الواقعة :
إِذا وَقَعَتِ الْواقِعَةُ لَيْسَ لِوَقْعَتِها كاذِبَةٌ
« 1 » : « ولفظة الواقعة بما فيها من مدّ ، ثم سكون ، أشبه بسقوط الجسم الذي يرفع ، ثم يترك ، ليقع فينتظر له الحسّ فرقعة ورجّة » « 2 » . فجمالية التصوير باللفظ تعتمد على هذا المدّ الطويل قبل القاف ، مما يبعث على تصوّر وقوع جسم بعد ارتفاعه ، ونظرة قطب لا تخلو من إثارة هذا التصوّر ، على الرغم من أن « واقعة » نفسها تدلّ على السّقوط . وقد اطّردت عنده مثل هذه الإثارة في تفسير أسماء يوم القيامة ، الصاخّة والطامّة والقارعة والحاقّة ، وكل هذه المفردات مصوّرة بجرسها ، يقول في تفسير
فَإِذا جاءَتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرى
« 3 » : « والطّامّة لفظة مصوّرة بجرسها لمعناها ، فهي تطمّ وتعمّ وتطغى على السّماء المبنية والأرض المدحورة » « 4 » . ويجب أن ننبّه إلى احتكامه إلى الحرف والحركة معا ، وإلى أنّ هذه خصوصية المدّ هنا لا تطّرد في كل موضع ، فهي توظّف في بعض المواضع ، وعلى سبيل المثال نقرأ قوله تعالى حكاية عن ولد نوح عليه السلام :
قالَ سَآوِي إِلى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْماءِ
« 5 » .
هامش
( 1 ) سورة الواقعة ، الآيتان : 1 - 2 . ( 2 ) قطب ، سيد ، مشاهد القيامة ، ص / 108 . ( 3 ) سورة النازعات ، الآية : 34 . ( 4 ) قطب ، سيد ، مشاهد القيامة ، ص / 189 . ( 5 ) سورة هود ، الآية : 43 .