أخذ أئمة هذه المدرسة التفسير عن ابن عباس ، ثم عرضوه عليه ، ولكنهم لم يقفوا عند هذا الحد من الحظ الوافر الذي تلقوه عن ابن عباس - رضي اللّه عنهما - بل انطلقوا في الاجتهاد كما سيأتي بيانه « 1 » ، يحدوهم في ذلك ترغيب شيخهم في تعويدهم على ذلك .
وممن برز في هذه المدرسة في الجانب الروائي عن شيخه : عكرمة ، فهو لم يحدث عمن دونه أو من هو مثله من أقرانه ، بل أكثر حديثه عن الصحابة ، وخاصة ابن عباس « 2 » .
وكذلك كانت حال سعيد بن جبير ، وحتى مجاهد وإن قلت روايته عن شيخه ، إلا أنه سمع منه القراءة والتفسير عدة مرات ، وتبنى أقواله ، وقال بها ، وإن لم يشر إلى أنها من تفسير شيخه ، لكن الكثير منها متطابق مع ما قاله - رضي اللّه عنه - .
أما المدرسة المدنية
: فقد اشتغلت برواية الأحاديث والسنن ، عن أصحاب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، وكانوا يحفظون آراء أصحاب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وأقضيتهم ، فهذا ابن المسيب لما أخذ الفقه والحديث وروى عن عمر وأبي هريرة لم يكن يتعد قول عمر ، سواء كان في التفسير ، أو غيره ، حتى عدّ أعلم الناس بقضايا عمر ، وحفظ لنا قدرا كبيرا من تلك الأحكام والأقضية « 3 » .
وإذا انتقلنا إلى المدرسة البصرية : نجد أن البصريين اهتموا كذلك بالنقول عن الصحابة ، إلا أن ما وصلهم كان قليلا بالنسبة إلى ما وصل إلى غيرهم ، فأخذوا ما جاءهم من روايات عن الصحابة ، ثم اجتهدوا فيما لم يصلهم ، ولأجل هذا فهي تعتبر أقل المدارس اهتماما بالجانب الروائي ، مع وجود قتادة فيها المشهور بحافظته القوية ، بل
هامش
( 1 ) سيأتي بيانه في مبحث الاجتهاد ص ( 708 ) .
( 2 ) الكامل لابن عدي ( 5 / 1907 ) ، والسير ( 5 / 30 ) .
( 3 ) سبق بيان ذلك في ترجمته ص ( 387 ) .