وأحيانا يكون اجتهاد مجاهد أقرب للمراد من عبارة شيخه التفسيرية .
ففي قوله تعالى :
إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ
« 1 » فسرها ابن عباس ب ( الناظرين ) ، إلا أن مجاهدا لم يتابعه على ذلك ، وفسرها ب ( المتفرسين ) ، وهو معنى أخص وأدق ، تؤيده اللغة ، يقال : توسمت في فلان حتى إني رأيت فيه أثرا منه « 2 » .
وفي تفسير قوله تعالى :
وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا
« 3 » ، قال مجاهد : عتيا ، يعني نحول العظم ، في حين قال ابن عباس : عتيا يعني الكبر « 4 » .
قال ابن كثير : والظاهر أنه أخص « 5 » .
وقد يكون الخلاف في تفسير الآية أكثر تباينا بين الصاحب ، والتابعي ، وقد يكون قول التابعي أصوب فيها ، فمن ذلك في تفسير قوله تعالى :
ثُمَّ رَدَدْناهُ أَسْفَلَ سافِلِينَ
« 6 » قال ابن عباس : أرذل العمر ، وقال مجاهد : إنه النار ، وصوبه ابن القيم « 7 » . والأمثلة على ذلك كثيرة ، ومتنوعة .
4 - بدء عصر التدوين للتفسير ، وعلومه :
يعد عصر التابعين بداية عصر التدوين ؛ إذ لم يدون التفسير في عصر الصحابة ، وقد ظهر ذلك في كتابات سعيد بن جبير ، كما كان مجاهد يسأل ابن عباس ، ومعه
هامش
( 1 ) سورة الحجر : آية ( 75 ) .
( 2 ) معاني القرآن للنحاس ( 4 / 35 ) ، وزاد المسير ( 4 / 409 ) ، والدر المنثور ( 5 / 90 ) ، وفتح القدير ( 3 / 139 ) .
( 3 ) سورة مريم : آية ( 8 ) .
( 4 ) معاني القرآن للنحاس ( 4 / 310 ) ، وزاد المسير ( 5 / 211 ) ، والدر المنثور ( 5 / 479 ، 482 ) .
( 5 ) تفسير ابن كثير ( 2 / 112 ) .
( 6 ) سورة التين : آية ( 5 ) .
( 7 ) أقسام القرآن لابن القيم ( 29 ) ، والدر المنثور ( 8 / 554 ) ، وفتح القدير ( 5 / 465 ) .