الذين يكتبون التوراة إذا جاءوا إليهم بإنسان يجربونه ، اقترعوا عليه أيهم يأخذه فيعلمه ، وكان زكريا أفضلهم يومئذ ، وكان بينهم ، وكانت خالة مريم تحته ، فلما أتوا بها اقترعوا عليها ، قال لهم زكريا : أنا أحقكم بها ، تحتي أختها ! فأبوا ، فخرجوا إلى نهر الأردن ، فألقوا أقلامهم التي يكتبون بها أيهم يقوم قلمه فيكفلها ، فجرت الأقلام ، وقام قلم زكريا على قرنته كأنه في طين فأخذ الجارية ، وذلك قول اللّه عز وجل :
وَكَفَّلَها زَكَرِيَّا
« 1 » فجعلها زكريا معه في بيته ، وهو المحراب « 2 » ، وبنحوه جاء الأثر عن عكرمة « 3 » .
7 - الترجيح :
ومن النتائج التي ترتبت على الأخذ عن أهل الكتاب أن صار بعض المفسرين يرجح بين الأقوال المحتملة بما روي من الإسرائيليات ، فمن ذلك ما ورد في المحاورة بين الحسن وتلميذه قتادة في قوله تعالى :
وَنادى نُوحٌ ابْنَهُ
« 4 » .
وكان الحسن يرى أنه ليس ولده لصلبه ، فاحتج عليه قتادة بأن أهل الكتاب لا يختلفون في أنه ولده لصلبه ، فكأنه يرى ذلك مرجحا ، ولم يرتض ذلك الحسن ، وأنكر قائلا : ومن يأخذ دينه من أهل الكتاب « 5 » .
ومن الترجيح ما ورد عند تفسير قوله تعالى :
قالَ اللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُها عَلَيْكُمْ
« 6 » ، فقد أنكر مجاهد نزول المائدة حقيقة مخالفا ظاهر الآية ، وجعل سبب الترجيح أن أهل الكتاب لم يرد عندهم فيها شيء ، وهذا مما تقوم الدواعي على نقله ، فلما لم ينقل عنهم ، رأى مجاهد أن القول بعدم نزولها هو الأولى بالقبول « 7 » .
هامش
( 1 ) سورة آل عمران : آية ( 37 ) .
( 2 ) تفسير الطبري ( 6 / 349 ) 6904 ، وسنن البيهقي ( 10 / 286 ) ، وزاد المسير ( 1 / 379 ) .
( 3 ) تفسير الطبري ( 6 / 351 ) 6909 .
( 4 ) سورة هود : آية ( 42 ) .
( 5 ) انظر ص ( 232 ) من هذا البحث .
( 6 ) أي المائدة ، وانظر سورة المائدة : آية ( 115 ) .
( 7 ) سبق في ترجمة مجاهد ص ( 94 ) .