وعن ابن مسعود قال : لا يأتي عام إلا وهو شر من الذي قبله ، ويجيء قوم يقيسون الأمور برأيهم « 1 » .
وقد استوعب أهل المدينة هذه الآثار فهابوا التفسير ، وانشرحت صدورهم للرواية المجردة عن الرأي ، وظل هذا الأمر مدة من الزمان .
قال الليث بن سعد : جئت ابن شهاب الزهري يوما بشيء من الرأي ، فقبض وجهه ، وقال : الرأي ؟ ! - كالنكارة له - ثم جئته بعد ذلك يوما آخر بأحاديث من السنن فتهلل وجهه ، وقال : إذا جئتني فأتني بمثل هذا « 2 » .
وذكر ابن وهب عن ابن شهاب أنه قال - وهو يذكر ما وقع فيه الناس من هذا الرأي وتركهم السنن - : إن اليهود والنصارى إنما انسلخوا من العلم الذي بأيديهم حين اتبعوا الرأي ، وأخذوا فيه « 3 » .
وقال أيضا : دعوا السنة تمضي لا تعرضوا لها بالرأي « 4 » .
فهذا كان دأب أهل المدينة ، ولأجل ذا قلّ عنهم الاجتهاد ، والاستنباط ، بل والكلام في التفسير ، وقد تقدم شيء من ذلك « 5 » .
4 - المواهب الإلهية :
المقصود بالمواهب الإلهية هنا ما حباه اللّه للإنسان من ملكات وقدرات فكرية ونفسية ، مما له أثر كبير على الاجتهاد في التفسير .
ولعل أبرز ما ظهر لي أثناء التتبع أن الأئمة اعتمدوا على موهبتين أكثر من غيرهما :
هامش
( 1 ) الفقيه والمتفقه ( 1 / 182 ) ، وجامع بيان العلم ( 1 / 95 ) .
( 2 ) المعرفة والتاريخ ( 1 / 625 ) ، وتاريخ دمشق ( 15 / 509 ) .
( 3 ) جامع بيان العلم وفضله ( 2 / 168 ) ، وإعلام الموقعين ( 1 / 74 ) .
( 4 ) إعلام الموقعين ( 1 / 74 ) .
( 5 ) ينظر مبحث خصائص المدرسة المدنية ص ( 592 ) .