فالتركيز على المنهج القرآني ابتداء على « التوحيد » لا على « الوجود » ، توحيد الذات الإلهية ، فاللّه سبحانه ذات واحدة لا تتعدد ، لا تتبعّض ولا تندمج معها ذوات أخرى ، ولا تتلبس بها في صورة من صور الاندماج أو التلبس ، هذه الذات متصفة بصفات تتفرد بها كذلك ، فلا يشاركها فيها أحد ، ومن وحدانية الذات وتفردها بهذه الصفات تتضح وحدانية الفاعلية والتأثير في الكون وما فيه ومن فيه » « 1 » .
ثانيهما : إن فكرة الوحدانية عرضت في التاريخ البشري كلّه منذ وجد الإنسان على ظهر هذه الأرض ، وإنها لم تعرض في القرآن الكريم لأول مرة بل هي دعوة متكررة كلما كثر الانحراف والفساد والتعدي على منهج الرسل والأنبياء . فالقرآن الكريم يؤسس دعوته إلى التوحيد على تاريخ الأنبياء في كل الأزمنة السابقة ، ومن هنا يتجلّى لنا بوضوح أنّ العقل والنقل يشاركان القرآن في إثبات الوحدانية للّه ، ورفض الوثنية والشرك على اختلاف أنواعهما « 2 » .
يقول ابن تيمية ( - 728 ه ) - رحمه اللّه - « 3 » : التوحيد هو أصل الدين الذي لا يقبل اللّه من الأولين والآخرين دينا غيره ، وبه أرسل الرسل وأنزل الكتب كما قال تعالى :
وَسْئَلْ مَنْ أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنا أَ جَعَلْنا مِنْ دُونِ الرَّحْمنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ
[ الزخرف : 45 ] وقال تعالى :
وَلَقَدْ بَعَثْنا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ
[ النحل : 36 ] .
فالوحدانية التي هي أصل الشرائع الإلهية ، وهي التعريف باللّه وبمنهجه ، وبحقوقه على العباد ، قد أخذت الحيّز الأكبر من اهتمام القرآن ، أما مسألة وجود اللّه فلا تأخذ الاهتمام نفسه لكونه من البداهات التي يدركها الإنسان
هامش
( 1 ) نفسه - ص 239 .
( 2 ) ينظر - محمد عبد اللّه دراز - مدخل إلى القرآن الكريم - ص 77 .
( 3 ) الفتاوى - ج 1 - ص 37 .