الضرب الثالث : في مقابلة الشيء بما يخالفه من غير مضادة ، وذلك يأتي على وجهين :
الوجه الأول منهما : أن يكون أحدهما مخالفا للآخر ، خلا أن بينهما مناسبة ، وهذا نحو قوله تعالى :
إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِها
[ آل عمران : 120 ] ، فالمصيبة مخالفة للحسنة من غير مضادة ، إلا أن المصيبة لا تقارب الحسنة ، وإنما تقارب السيئة ، لأن كل مصيبة سيئة ، وليس كل سيئة مصيبة ، فالتقارب بينهما من جهة العموم والخصوص ، وهكذا قوله تعالى :
أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ
[ الفتح : 29 ] فالرحمة ليست ضدا للشدة ، وإنما ضد الشدة اللين ، خلا أنّه لمّا كانت الرحمة من مسببات اللين ، حسنت المطابقة ، وكانت المقابلة لائقة .
الضرب الرابع : المقابلة للشيء بما يماثله ، وذلك يكون على وجهين :
الوجه الأول منهما : مقابلة المفرد بالمفرد ، وهذا كقوله تعالى :
وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها
[ الشورى : 40 ] ، وقوله تعالى :
هَلْ جَزاءُ الْإِحْسانِ إِلَّا الْإِحْسانُ
[ الرحمن : 60 ] ، وقوله تعالى :
مَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ
[ الروم : 44 ] وغير ذلك من الأمور المفردة ، فضابط المماثلة أنّ كل كلام كان مفتقرا إلى جواب يكون مماثلا كما قررناه .
الوجه الثاني : مقابلة الجملة بالجملة ، وهذا قوله تعالى :
وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ
[ آل عمران : 54 ] وقوله تعالى :
قُلْ إِنْ ضَلَلْتُ فَإِنَّما أَضِلُّ عَلى نَفْسِي
[ سبأ : 54 ] ، والجمل الشرطية مترددة بين عدّها في باب المفرد والجملة ، فإن عدت في المفردات فلأنها وإن كانت جملا لكنها قد نقصت عن الاستقلال بعقد حرف الشرط لها عقدا واحدا ، وإن عدّت في الجملة فلأن الظاهر من الشرط والجزاء جملتان فلما كان الأمر كما قلناه جاز فيها الوجهان .