ثالثا : في الآية « تنويه بمعالي أخلاق المسلمين وغض من أخلاق أهل الشرك وأن سبب ذلك الغضّ ، الإشراك الذي يفسد الأخلاق ، ولذلك جعلوا قوما لا يعلمون دون أن يقال بأنّهم لا يعلمون ، للإشارة إلى أنّ نفي العلم مطّرد فيهم ، فيشير إلى أن سبب اطراده فيهم هو نشأته عن الفكرة الجامعة لأشتاتهم ، وهي عقيدة الإشراك » « 1 » .
رابعا : العلم في كلام العرب ، بمعنى العقل وأصالة الرأي ، وأنّ عقيدة الشرك مضادة لذلك « 2 » ، ولذلك فالعلم الحقيقي في مفهوم القرآن هو معرفة الإيمان من مصدره الحقيقي وهو كتاب اللّه ، ولهذا سيبقى الإنسان جاهلا إن لم يعرف الحقّ بهذه الوسيلة .
ويبقى الهدف الأساسي لهذه المقابلة هو بيان فضل العلم حين يطلب بصدق ووفاء ، وذم « الجهل » الذي يقود صاحبه إلى الشرك والهلاك .
وقال تعالى أيضا في سورة التوبة :
وَما كانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْ لا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ
[ التوبة : 122 ] .
تعدّ هذه الآية الكريمة من الآيات الواضحة الدلالة على طلب العلم ، وعدّه في مرتبة واحدة مع الجهاد ، خشية أن ينتشر الجهل في المجتمع الإسلامي ، وتعم به البلوى ، وفي الآية تقابل بين العلم وذلك في قوله تعالى :
فَلَوْ لا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ
[ التوبة : 122 ] ، وبين معنى الجهل الذي قد يستفاد من قوله تعالى :
وَما كانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً
[ التوبة :
122 ] ، لأن النفير الكامل هو سبب للجهل وانتشاره ، والآية الكريمة تفيد قيما فكرية ودينية سنتحدث عن بعضها ، قال أبو حيان في « البحر المحيط » : « والذي
هامش
( 1 ) محمد الطاهر بن عاشور - تفسير التحرير والتنوير - ج 10 - ص 120 .
( 2 ) نفسة - ج 10 - ص 120 .