وقد بلغ من حفاوة الإسلام بالعلم أن جعله سببا للإيمان باللّه ، قال تعالى :
وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْلَمُونَ
[ التوبة : 6 ] .
قال أبو حيان في « البحر المحيط » : « في هذه دلالة على أنّ النظر في التوحيد أعلى المقامات ، إذ عصم دم الكافر المهدر الدم بطلبه النظر والاستدلال وأوجب على الرسول أن يبلغه مأمنه ، وفيها دليل على أنّ التقليد غير كاف في الدين » « 1 » .
ومما هو واضح الدلالة على أهمية العلم في القرآن أنّه جعله وسيلة الإقرار بوحدانيته ، قال تعالى :
شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُوا الْعِلْمِ
[ آل عمران : 18 ] ، « استشهد بأولي العلم دون غيرهم من البشر ، على أجلّ مشهود عليه وهو التوحيد ، وقرن شهادتهم بشهادته وشهادة الملائكة » « 2 » .
وجعل القرآن « العلم » سببا لإدراك أسرار الكون ، قال تعالى :
مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِياءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتاً وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ ( 41 ) إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ( 42 ) وَتِلْكَ الْأَمْثالُ نَضْرِبُها لِلنَّاسِ وَما يَعْقِلُها إِلَّا الْعالِمُونَ
[ العنكبوت : 41 - 43 ] .
والقرآن الكريم هو أحد المصادر الهامة التي حاربت « الجهل » ، واعتبرته خطرا على العقيدة والتصور ، وعاملا من عوامل الصدّ عن الحق ، وقد أكثر القرآن من تنبيه النّاس على علّة استعصاء البشر عن قبول الحق الذي يفضون به إليهم ، هو ما ران على قلوبهم وعقولهم بسبب جهلهم « 3 » ، قال تعالى في ذمّ أهل الجهل :
ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْلَمُونَ
[ التوبة : 6 ] ، وقوله أيضا :
ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ
[ المائدة : 58 ] ، وقد حذّر اللّه أنبياءه من الجهل فقال لنبيّه محمد صلى اللّه عليه وسلم :
هامش
( 1 ) البحر المحيط - ج 5 - ص 375 .
( 2 ) عبد المجيد صبح - العلم والإيمان - ص 27 .
( 3 ) عبد المجيد صبح - العلم والإيمان - ص 28 .