وذكر عن محمد ابن سيرين أنه قال :
« كانوا يرون أن قراءتنا هذه هي أحدثهن بالعرضة الأخيرة » ، وفي رواية قال :
« نبئت أن القرآن كان يعرض على النبي صلى اللّه عليه وسلّم كل عام مرة في شهر رمضان ، فلما كان العام الذي توفي فيه عرض عليه مرتين » .
قال ابن سيرين : « فيرون أو يرجون أن تكون قراءتنا هذه أحدث القراءات عهدا بالعرضة الأخيرة » . أخرجه أبو عبيد وغيره .
وعنه عن عبيدة السلماني قال : « القراءة التي عرضت على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم في العام الذي قبض فيه ، هي التي يقرأها الناس اليوم » . وفي رواية : « القرآن الذي عرض » . أخرجه ابن أبي شيبة .
قلت : وهذه السنة التي أشاروا إليها هي ما ثبت عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم نصا أنه قرأه وأذن فيه على ما صح عنه : « إنّ القرآن نزل على سبعة أحرف » . فلأجل ذلك كثر الاختلاف في القراءة زمانه صلى اللّه عليه وسلّم وبعده إلى أن كتبت المصاحف ، باتفاق من الصحابة بالمدينة على ذلك ، ونفذت إلى الأمصار وأمروا باتباعها وترك ما عداها ، فأخذ الناس بها ، وتركوا من تلك القراءات كل ما خالفها ، وأبقوا ما يوافقها صريحا كقراءة
الصِّراطَ
بالصاد ، واحتمالا كقراءة
مالِكِ
بالألف ، لأن المصاحف اتفقت على كتابة
مُلْكِ
فيها بغير ألف ، فاحتمل أن يكون مراده كما حذفت من
الرَّحْمنِ
و
إِسْماعِيلَ
و
إِسْحاقَ
وغير ذلك .
ويحمل على اعتقاد ذلك ثبوت تلك القراءة بالنقل الصحيح عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم ولا يلتزم فيه تواتر ، بل تكفي الآحاد الصحيحة مع الاستفاضة وموافقة خط المصحف ، بمعنى أنها لا تنافيه عدم المنكرين لها نقلا وتوجيها من حيث اللغة .
فكل قراءة ساعدها خط المصحف مع صحة النقل فيها ومجيئها على الفصيح من لغة العرب ، فهي قراءة صحيحة معتبرة .
فإن اختلت هذه الأركان الثلاثة أطلق على تلك القراءة أنها شاذة وضعيفة .
أشار إلى ذلك كلام الأئمة المتقدمين ، ونص عليه الشيخ المقرئ أبو محمد مكي بن أبي طالب القيرواني في كتاب مفرد صنفه في معاني القراءات السبع وأمر بإلحاقه « بكتاب الكشف عن وجوه القراءات » من تصانيفه ، وقد تقدم فيما نقلناه من كلامه في الباب الرابع الذي قبل هذا الباب .
وقد ذكره أيضا شيخنا أبو الحسن رحمه اللّه في كتابه « جمال القراء » في باب مراتب الأصول وغرائب الفصول فقال :