قال : « ولا ينبغي لذي لب أن يتجاوز ما مضت عليه الأئمة والسلف بوجه يراه جائزا في العربية ، أو مما قرأ به قارئ غير مجمع عليه » .
وقد ذكر الإمام أبو عبيد في أول كتابه في القراءات ما يعرفك كيف كان هذا الشأن من أول الإسلام إلى آخر ما ذكره .
فذكر القراء من الصحابة على ما سبق ذكره في آخر الباب الأول ، ثم قال بعد ذكر التابعين :
« فهؤلاء الذين سمينا من الصحابة والتابعين وهم الذين يحكى عنهم عظم القراءة ، وإن كان الغالب عليهم الفقه والحديث » .
قال : « ثم قام من بعدهم بالقرآن قوم ، ليست لهم أسنان من ذكرنا ولا قدمهم ، غير أنهم تجردوا في القراءة ، فاشتدت بها عنايتهم ، ولها طلبهم ، حتى صاروا بذلك أئمة يأخذها الناس عنهم ويقتدون بهم فيها ، وهم خمسة عشر رجلا من هذه الأمصار ، في كل مصر منهم ثلاثة رجال :
فكان من قراء المدينة : أبو جعفر ثم شيبة بن نصاح ثم نافع وإليه صارت قراءة أهل المدينة .
وكان من قراء مكة : عبد اللّه بن كثير وحميد بن قيس الأعرج « 1 » ومحمد بن محيصن « 2 » ، وأقدمهم ابن كثير ، وإليه صارت قراءة أهل مكة أو أكثرهم .
وكان من قراء الكوفة : يحيى بن وثاب « 3 » وعاصم والأعمش ، ثم تلاهم حمزة رابعا ، وهو الذي صار عظم أهل الكوفة إلى قراءته من غير أن يطبق عليه جماعتهم .
وأما الكسائي فإنه يتخير القراءات ، فأخذ من قراءة حمزة بعضا وترك بعضا .
وكان من قراء البصرة : عبد اللّه بن أبي إسحاق « 4 » وأبو عمرو بن العلاء
هامش
( 1 ) هو حميد بن قيس الأعرج ، الأسدي ، أبو صفوان المكي ، توفي سنة 130 ه . ( انظر : غاية النهاية 1 / 265 ، تهذيب التهذيب 3 / 46 ) .
( 2 ) هو محمد بن عبد الرحمن بن محيصن السهمي المكي ، المقرئ ، توفي سنة 123 ه . ( انظر :
غاية النهاية 2 / 167 ) .
( 3 ) هو يحيى بن وثّاب الأسدي الكوفي ، تابعي ، مقرئ ، توفي سنة 103 ه . ( انظر : المعارف لابن قتيبة ص 330 ، غاية النهاية 2 / 380 ، تهذيب التهذيب 11 / 294 ) .
( 4 ) ابن أبي إسحاق : هو عبد اللّه بن أبي إسحاق الحضرمي النحوي ، توفي سنة 129 ه . ( انظر ترجمته في : أخبار النحويين البصريين 19 ، مراتب النحويين 12 ، نزهة الألباء 10 ، طبقات اللغويين 31 ، إنباه الرواة 3 / 104 ) .