والثالث كقوله تعالى
فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ
« 1 » .
6 - وقد تجلى الايجاز القولي في هذه السورة بقصر كل لفظ على المعنى المراد ، ومطابقته لمعناه بما لا يزيد عليه ، ولا يتخلف عنه ، فاستغنى بالحمد عن البيان الكثير في إبانة الهيئات المركبة لمقتضيات الحمد ، وكونه ربا للعالمين طوى صفحا عن ذكر جزئيات الخلق وشؤون إدارته ، وكونه الرحمن الرحيم استعاض بهما عن بيان الصفات الفعلية ، وكونه ملك يوم الدين ، استغناء عن ذكر آلائه في الدنيا جميعا ، وقدراته في الآخرة كافة ، وتعبيره في كل ذلك عن الحقائق الهائلة مساو للتعبير عن الأمور العقلية ، فقصر العبادة عليه والاستعانة به ، يقتضي طلب الهداية منه بأبعادها المحببة المرضية ، وشمول العموم بالمغضوب عليهم وبالضالين ، أغنى عن التفصيل المتطاول في الاقسام والملل والنحل والديانات والمقصرين .
الصياغة الدلالية :
1 - في الابتداء : ب
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ ( 1 )
دلالة على أمور :
أ - تعليم الانسان البدايات المتميزة ، وأدب الخطاب ، وحسن الابتداء ، والارتباط باللّه تعالى منذ البدء بكل قول وعمل وتخطيط .
ب - إن الامر العظيم إنما يبدأ به باسم المبدع العظيم ، وأن كل ذي شأن باطل إن لم يقترن بذكره تعالى ، وإن مشروعية هذا الذكر دال على مشروعية ما يراد به ، وإلا فلا يكتب له الكمال والنظام والاستيعاب ، إذ بدونه يبقى كل مشروع ناقصا ، ويظل كل أمر متزلزلا .
ج - في البسملة إضافة تشريفية لهذا الانسان ، بأن علمه أن يقترن بدؤه بأمور الخير والجد باللّه ليس غير فيجعله وساما ، كشأن الأمم في ذكرها عظمائها ، وتكريم رؤسائها ، على أنهم في معرض الفناء والزوال ، وهو في ديمومة من البقاء والخلود ، ولا مجال للمقارنة بين العناية بمقام
هامش
( 1 ) النحل : 106 .