يرجع إلى من يشفع فيه لكان الكلام يقتضي أن جميع من يدعون من دون اللّه يشفع لكل من شهد بالحق ، والأمر بخلاف ذلك ، لأنه ليس كل من عبدوه من دون اللّه تعالى تصح منه الشفاعة ، لأنهم عبدوا الأصنام ، وبعض عبد الكواكب والشفاعة لا تصح منها ، فلا بد من أن تخصص الكلام وتقدره هكذا .
لا يملك بعض الذين يدعون من دونه الشفاعة إلا فيمن شهد بالحق ، فعود الاستثناء إلى الشافعين أولى حتى يتخصص » « 1 » .
ثم يبرز تقرير اعتراف المشركين بالخالق المبدع الفرد :
وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ ( 87 )
.
فهم يدركون حقيقة أن الأصنام لم تخلقهم ولم تبدعهم ، وإنما صورهم وخلقهم اللّه تعالى ، لهذا عنفهم أشد التعنيف لنكرانهم الحق مع عرفانه ، وانقلابهم من عبادته إلى عبادة سواه
وَقِيلِهِ يا رَبِّ إِنَّ هؤُلاءِ قَوْمٌ لا يُؤْمِنُونَ ( 88 )
، على وجه الانكار عليهم ، والتأكيد أنهم ليسوا بمؤمنين حقا .
وقرئت ( قيله ) بالحركات الثلاث ، وأوردوا في ذلك عدة وجوه « 2 » .
واختار الزمخشري : « أن يكون الجر والنصب على إضمار حرف القسم وحذفه ، والرفع على قولهم : أيمن اللّه ، وأمانة اللّه ، ويمين اللّه ، ولعمرك ، ويكون
إِنَّ هؤُلاءِ قَوْمٌ لا يُؤْمِنُونَ
جواب القسم ، كأنه قيل :
وأقسم بقيله : يا رب ، أو قيله يا رب قسمي : إن هؤلاء قوم لا يؤمنون ، والضمير في وقيله لرسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلّم وإقسام اللّه بقيله رفع وتعظيم لدعائه والتجائه إليه » « 3 » .
وتختتم السورة بالدعوة السلمية مع الوعيد :
فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلامٌ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ ( 89 )
، وهو أمر بالاعراض عنهم ، إذ لا أمل بصلاحهم ،
هامش
( 1 ) المرتضى ، أمالي المرتضى : 2 / 366 وما بعدها .
( 2 ) ظ : الطوسي ، التبيان : 19 / 222 + الزمخشري ، الكشاف : 3 / 498 .
( 3 ) الزمخشري ، الكشاف : 3 / 498 .