يلجئون إلى انكار التفسير العلمي جملة وتفصيلا بل ويحملون على القائلين به حتى عدّ عملهم هذا من المغالاة التي لا طائل معها « 1 » ، بينما اعتبره الآخرون ليس بذي جدوى على القرآن ، والقرآن غني عن هذا التكليف الذي يوشك أن يخرج به عن هدفه الانساني الاجتماعي في اصلاح الحياة « 2 » .
ولما كان حسن النية وسلامة القصد متوافر عند من كتب في هذا المجال فاللّه عز وجل كفيل باثباتهم بحسب نياتهم ، وإن كنا نختلف معهم في جدوى هذا الفهم « 3 » .
وممن اشتهر بالتفسير العلمي حتى عاد به متسما ، العالم المصري الشيخ طنطاوي جوهري في تفسيره ( الجواهر في تفسير القرآن الكريم المشتمل على عجائب بدائع المكونات وغرائب الآيات الباهرات ) فقد حشده بالعلوم الطبيعية والكونية والنفسية والصناعية ، وعالج به المكتشفات والاختراعات العصرية ، وتناول به الطب والتشريح والجبر والهندسة والفيزياء والكيمياء وعلم النبات والاحياء والتواريخ . فهو يضع الآية على بساط البحث أدبيا وفلسفيا وعلميا ثم يتبعها بحكايات وأحاديث وعجائب ولطائف على حد تعبيره ، ثم يسرد لازم الحكاية ومتعلقها ، ومباحث العلم الحديث فيها روحيا أو جغرافيا أو فلكيا أو تشريحيا أو صناعيا أو طبيا أو هندسيا ، حتى يحمل النص أكبر مما ينبغي أن يبحث عنه ، بل حتى ينتقل بالقرآن من مهمته التشريعية إلى مهمات جانبية أخرى ، ويقصد من وراء هذا كله إلى تيسير الفهم العصري للقرآن ، أو مواكبة القرآن للعلم الحديث ، أو ضرورة تلقي المسلمين لجميع هذه العلوم ، أو لاعتقاده بأن القرآن بعد إشارته لهذه العلوم فهو يريد معرفتها والتخصص في جملتها ، ثم يشرع في بلورة كل ذلك بأسلوب ارشادي ودعائي مطول يتوسع فيه توسعا شاملا ، ففي حديثه عن جزء آية من قوله تعالى :
هامش
( 1 ) ظ : عبد العظيم الزرقان ، مناهل العرفان : 1 / 501 .
( 2 ) ظ : أمين الخولي ( مادة تفسير ) دائرة المعارف الاسلامية : 5 / 362 .
( 3 ) ظ : الفصل الأخير من هذا البحث ( مرحلة التجديد ) .